حكايات اماني السيد 2

سوسن وقفت مبلمة، عينيها وسعت من الصدمة، مكنتش مستوعبة الكلام اللي بتسمعه، وأنا كملت بقسوة وبجاحة تكسر الحجر: «أنتِ واحدة مهملة وفاشلة! سيبتي ابنك يتعب ومرضيش قلبك غير لما استغليتي تعبه ووجعه عشان تنكدي عليا وتجرجريني من عند مراتي! دي غيرة مرضية وسواد في قلبك، عايزة تبوظي عيشتي بأي شكل وخلاص! وأنا هعرف منين إنه بيموت؟ ما اتصلتيش تاني ليه لو كنتِ محتاسة بجد ومستنجدة بيا؟ ولا كنتِ مستنية أجيلك راكع عشان ترضي غرورك المريض؟».

قربت منها وصوابعي في وشها بتهديد وإهانة: «أنتِ ست نكدية وعقربة، بتبهدلي عيالك عشان تفرسي ، ولو فاكرة إنك بالدراما الرخيصة دي هتكرهيني في مرفت أو هترجعيني ليكي، تبقي بتحلمي.. أنتِ كل يوم بتثبتيلي إنك متستاهليش حتى ريحة الشفقة، وإن العيشة معاكي جحيم!».
سوسن كانت باصة في عيني ودموعها نشفت تماماً، ملامحها اتحولت لحجر.. كأنها كانت مستنية تشوف لآخر مدى قذارتي هتوصل لفين. سكتت خالص، مخرجش منها ولا حرف ولا حتى صرخة دفاع، بصتلي من فوق لتحت باحتقار يوجع أكتر من أي رد، وقامت قافلة الباب في وشي بهدوء قاتل، كأنها قفلت الباب على معدتش تفرق معاها في حاجة.
لسه هلف ضهري عشان أخرج وأنا بنهج من كتر الزعيق، لقيت باب الأوضة بيتفتح ورايا بهدوء. لفت وبصيت، لقيت سوسن خارجة، في إيديها دوسيه فيه تقارير التحاليل وأشعة الصدر مع الروشتة.

وقفت قصادي، ملامحها كانت خالية تماماً من أي انفعال، عينها ثابتة في عيني بجمود يرعب، ومدت إيدها بالورق من غير ما تترعش وقالت بصوت واطي بس حاد زي «خلصت وصلة الردح اللي اتمليت بيها وجاي تفرغها فيا؟.. خد، اقرأ تاريخ الكشف وتوقيت التحاليل، واقرأ التقرير اللي بيقول إنه دخل محجوز على أكسجين ومحاليل من الفجر».

سكتت ثانية، وبصت في أنحاء الصالة الفاضية، ورجعت بصتلي بقرف عمر ما شفته في عينيها قبل كده: «أنت جيت هنا الصبح، ومشيت، ورجعت تاني دلوقتي عشان تزعق وتهين وتقل بأصلي وأصل أمي.. بس مهنش عليك تسألني ابنك فين؟ مكلفتش خاطرك تبص في الأوضة وتشوفه نايم، تعبان، ولا حتى عايش؟ ولا سألت بنتك فين واختفت فين من الصبح في وسط دي؟».
قربت خطوة واحدة وحطت الدوسيه في إيدي بالعافية، وكملت ببرود دمي: «ابنك محجوز في المستشفى تحت الملاحظة ومخرجش، وبنتك سايباها عند جارتنا عشان أعرف أرجع ألمله هدوم وغيار، وأنت.. دخلت وخرجت مرتين، كل اللي فارق معاك تبرأ نفسك وترضي الست مرفت، حتى مكلفتش نفسك تبص في وتكتشف إن عيالك الاتنين مش موجودين فيها أصلاً!».
الكلام نزل عليا زي صاعقة كهربة شلت لساني، بصيت حواليا في الصالة وفجأة انتبهت للسكوت اللي في البيت.. مكنش في صوت تنفس عيل، ولا لعب، ولا حتى حركة في الأطفال. حسيت الأرض بتميد بيا، والورق في إيدي بقى وزنه أطنان، ولساني اتعقد ومش لاقي كلمة واحدة أرد بيها وأنا واقف من كل معاني الرجولة والأبوة قصادها.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *