مرات ابويا

​خرجت الصالة لقيت أحمد ومحمود وبابا قاعدين مع بعض وبيضحكوا على حركة عملها محمود الصغير. وقفت أراقبهم من بعيد، والدموع نزلت من عيني، بس المرة دي مكنتش دموع خوف ولا قهر، دي كانت دموع شكر لله.
​الدنيا دارت، والصفحة اتقفلت تماماً، والشرور اللي اتزرعت زمان حصدت صاحبها، أما الخير والصبر والأصل الطيب ففضلوا عايشين ومثمرين. عرفت إن كل محنة بنمر بيها هي مجرد سطر في رواية طويلة كاتبها ربنا بحكمة، ونهايتها دايماً بتكون أحسن بكتير من اللي بنتمناه. قعدت وسطهم، وأنا كلي يقين إن اللي جاي في حياتي هيبقى كله نور وأمان.

الليل جه، والدنيا هديت بره، ومحمود ابني نام في سريره زي الملاك. دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا براحة، لقيت أحمد قاعد على السـ,رير وبيتصفح تليفونه، أول ما شافني ابتسم وقفل الشاشة وحط التليفون جمبه.
​قعدت على طرف السرير وتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتلخص سنين من عمري، أحمد حس بيا، قرب مني وأخد إيدي بين إيديه وطبطب عليها وقالي بحنية: “سارة.. أنا حاسس إنك النهاردة مش سارة بتاعة كل يوم.. فيكي حتة هدوء وسكينة غريبة، كأن كان في حمل على كتافك والنهاردة بس رميتيه.”

​بصيت في عينيه وقولتله بصوت دافي: “فعلاً يا أحمد.. النهاردة بس قدرت أقول إن الماضي مات واندفن، والنهاردة بس حسيت إني مش خايفة من أي حاجة جاية.”
أحمد باس إيدي وقال: “طول ما أنا فيا النفس، وطول ما الحاج محمود منور دنيتنا، مفيش حاجة في الدنيا هتمسك بسوء يا قلب أحمد.. أنتي تعبتي وياما شوفتي، وجه الوقت اللي ترتاحي فيه وتجني ثمار صبرك.”

​قومت وقفت ورحت ناحية الشباك الكبير، فتحته ووقفت في البلكونة أشم الهوا الساقع بتاع نص الليل. الشوارع كانت فاضية وضلمة، مفيش غير العواميد منورة الطريق برقة، والنسمة كانت بتداعب وشي.
​وفجأة، حسيت بحركة ورايا، لفيت لقيت بابا واقف في البلكونة جمبي، ساند إيديه على السور وباصص للسما. بصلي وابتسم وقالي: “عارفة يا سارة.. زمان وأنتي صغيرة كنتي لما تخافي من ضلمة الليل، تيجي تستخبي في ضهري.. النهاردة وأنا باصص ليكي، حاسس إن ضهرك بقى قوي لدرجة إنه يشيل عيلة بحالها.”

​دموعي نزلت، بس كانت دموع صافية وراضية، مسكت إيد بابا المحفرة من شــ,قى السنين وبوستها وقولتله: “أنا قوتي دي كلها منك يا بابا.. أنت الجبل اللي ساندني، وعمري ما هنسى إنك في أصعب لحظة في حياتي كنت البطل اللي أنقذني.”
​بابا أخدني في حضنه، الحــ,ضن الدافي اللي طول عمري بستخبى فيه من قــ,سوة الدنيا، وفضلنا واقفين كده ثواني، باصين للمدى الواسع قدامنا.
​في اللحظة دي، حسيت إن روحي بقت خفيفة وزي الريشة.. الخوف، الوجع، التهــ,ديد، وظلم مرات أبويا وابنها.. كل ده بقى مجرد حكايات قديمة بتتحكي في كتب الماضي، وبقت حياتي الجديدة هي الحقيقة الوحيدة اللي بعيشها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *