البدروم بقلم مشيرة محمد

مشوا البنات، وصوت خطواتهم الصغيرة على الخشب كان بيهرب أسرع، وأنا فضلت واقفة لوحدي قدام الفتحة اللي بتطلع ريحة الموت والعفن. خدت نفس، ونزلت أول درجة.
السلم الخشب كان بيزيّق تحت رجلي بصوت عالي جداً في الهدوء القاتل بتاع البيت. كل خطوة كان قلبي بيقع فيها في رجلي. الريحة كانت بتزيد تقْل، ريحة كتمة ورطوبة لا تطاق. لما وصلت لآخر درجة، لقيت المكان عبارة عن بدروم كبير جداً تحت البيت كلياً، مليان صناديق كرتون قديمة، وعفش متغطي بملايات بيضا كأنها جثث متكفنة.
بس في آخر البدروم.. كان في ضوء أزرق ضعيف جاف طالع من ورا ستارة قماش تقيلة سودا، مقفولة ومربوطة بحبل في الحيطة.
مشيت بخطوات بطيئة، كل خلية في جسمي كانت بتقولي “اطلعي واجري! سيب البيت واجري!” بس الفضول والخوف على نفسي وعلى البنات خلاني أكمل. مديت إيدي المرتعشة وسحبت الستارة السودا على جنب.
اللي شفته ورا الستارة.. خلى عقلي يوقف عن التفكير.
ما كانش في جثة، وما كانش في هيكل عظمي زي ما خيالي المريض صورلي.
المكان كان متوضب كأنه أوضة نوم صغيرة، بس غريبة جداً! كان في سرير معدن قديم، مفروش بملاية نظيفة. وعلى الحيطة كانت متتعلق عشرات الشاشات الصغيرة والتلفزيونات القديمة والمرايات! كل شاشة كانت بتعرض فيديوهات وصور لست واحدة.. مراته المتوفية “مها”.
وفي نص الأوضة، كان في كرسي هزاز خشب، متثبت عليه ماكيت، أو تمثال بحجم إنسان طبيعي، متغطي بهدوم حريمي حقيقية، وعليه باروكة شعر أسود طويل، وش متصنع من السيليكون أو الشمع بشكل يرعب، بس متفصل عشان يشبه صور الست اللي على الشاشات!
والأبشع من ده كله.. كان في تسجيل صوتي شغال بصوت واطي جداً، تكرار لصوت ست بتتكلم وتسجل: “أنا هنا.. أنا مستنياك يا طارق.. ما تتأخريش عليّا..”
صرخة كانت مكتومة في زوري وما طلعتش. طارق كان عايش في وهم! طارق عامل ضريح لمراته الميتة تحت البيت، وبيجيب بناته الصغيرين ينزلوا هنا، أو البنات استكشفوا المكان من وراه!
فجأة.. سمعت صوت فوق.
لمحة نيوز
صوت الباب الرئيسي بتاع البيت بيتقفل بقوة!
صوت خطوات جزية رجالي ثقيلة بتدب في الصالة. طارق رجع! طارق جه بدري من الشغل!
جسمي اتجمد. سمعت صوته فوق ينادي بصوت عالي: “يا بنات؟ شيرين؟ أنتم فين؟”





