يارا بقلم اماني سيد 2 الاخير

وقفت عند الباب، إيدها ساندة على المقبض وكأنها بتستجمع كل ذرة كبرياء فاضلة جواها. التفتت له ببطء، ملامحها الشاحبة اتحولت لجمود تام، وعينيها اللي كانت مليانة دموع من شوية، بقت حادة وزى الإزاز.
بصت له وقالت بنبرة صلبة، خالية من أي رجاء:
ـ أنا مش هامشي من هنا قبل ما ننهي كل حاجة… طلقني يا ابن عمي. طلقني ورجع لي الباقي من عمري اللي ضاع معاك.
ضحكته الساخرة اختفت فجأة، وملامحه اتقبضت بغضب وارتباك. خطى ناحيتها خطوة سريعة وهو بيبرق لها وقال بصوت واطي ومكتوم:
ـ طلاق؟ إنتِ اتجننتي؟! عايزة تخربي الدنيا؟ إنتِ أكيد قاصدة تعملي كده عشان تروحي تشتكي لبابا وتوقعي بيني وبينه! عايزة تبهدلي مصلحتي وتهدي كل اللي بنيته في لحظة غيظ؟
بصت له بنظرة احتقار هزت ثقته بنفسه، وقالت بصوت هادي بس قوي، سمعه كل اللي واقف في الصالة:
ـ وعد مني… مش هجيب سيرة لأي مخلوق، ولا هقول لأبوك حاجة. أنا أصلاً مش بفرض نفسي عليك، ولا عمري كنت هقبل أكون حمل تقيل على قلب حد.
قربت منه خطوة، وبصت في عينيه مباشرة وكملت بوجع ممزوج بسخرية لاذعة:
ـ بس العيب مش على عمي… العيب عليك إنتَ. لو كنت راجل بجد من أول لحظة وجيت حكيت لي، وقلت لي إني مجرد كارت لنجاحك… كان ممكن أوافق وأساعدك، وأقف جنبك عشان تاخد فلوس مشروعك من سكات ومن غير ما نعيش التمثيلية دي كلها! كان ممكن نلعب اللعبة سوا وأنا بكامل إرادتي… لكن إنتَ خوفت، واخترت تعيش دور الراجل وتكسرني عشان تضمن مصلحتك.
سكتت لحظة وهي شايفه ملامحه بتتوجع من كلمتها، وبصت له وللست اللي واقفة وراه وقالت بابتسامة وجع:
ـ ودلوقتي… ورقتي توصلي، وبسرعة.
برقت عينه من الصدمة، والكلمة لجمت لسانه. “لو كنت راجل بجد”… الجملة خبطت في رجولته وكبريائه قدام مراته الثانية، اللي ابتسامة الشماتة اختفت من على وشها فجأة، وبدأت ملامحها تتوجع من قوة وجرأة الكلام.
حاول يداري ارتباكه، ورفع صباعه بتهديد وهو بيجز على سنانه:
ـ الزمي حدودك يا بنت عمي… وما تنسيش إنتِ بتتكلمي مع مين! أنا مش هسمح لكِ…
قطعت كلامه و حركت فيها إيدها في الهواء كأنها بتطرد كلامه بره المكان، وقالت بمنتهى البرود والثبات:
ـ مابقاش ينفع تسمح أو ما تسمحش. اللعبة خلصت خلاص، والوشوش اتكشفت. أنا برأت ذمتي قدام نفسي، ووديت لك كرامتك الأرض اللي كنت فاكر إنك دايسني عليها.
بصت لمراته الثانية بنظرة سريعة من فوق لتحت، نظرة خالية من أي غيرة، بل كان فيها شفقة حقيقية، وقالت وهي بتفتح الباب:
ـ مبروك عليكي… خدي بقية الصفقة. بس افتكري كويس، اللي يبني نجاحه على كدبة وكسرة قرايبه، بكره يدور عليه الزمن ويبيعك إنتِ كمان في أول محطة يكون فيها مصلحته.
ما استنتش تسمع رد من أي حد فيهم. لفت ضهرها وخرجت، وقفت على السلم لثوانٍ،
نزلت السلم بخطوات ثابتة وسريعة، وصوت كعب جزمتها كان بيرن في المكان كأنه بيعلن نهاية فصل كامل من الإهانة، وبداية لقصة جديدة هي الوحيدة اللي هتكتب شروطها.
مرت الأيام، ووصلتها ورقة طلاقها لحد عندها من غير شوشرة. نفذ وعده لما لقى إن سكوتها هو الأمان الوحيد لمشروعه وفلوس أبوه، وهي نفذت وعدها بكل كبرياء؛ ما نطقتش بحرف واحد، ولا جابت سيرة لمخلوق عن الصفقة الرخيصة اللي كان بطلها.
لما عمها سألها عن سبب الطلاق المفاجئ، اكتفت بابتسامة هادية وقالت: “قسمة ونصيب يا عمي، مفيش نصيب نكمل”.
قفلت الصفحة دي تمامًا، وقررت تتعامل مع الفترة دي من عمرها كأنها حلم مزعج فوقيت منه، أو كأن الراجل ده مادخلش حياتها من الأساس. صحباتها المقربين كانوا بيحرضوها على الانتقام، ويقترحوا عليها خطط عشان تهد له مشروعه وتكشف حقيقته قدام أبوه، لكنها كانت بتهز راسها برفض قاطع وتقولهم:
ـ اوقات الانتقام بياكل صاحبه… بيمتلك روحه ويخليه يعيش في ضلمة وغل، وأنا مش هضيع يوم واحد من عمري الفاضل في حروب مع شخص ميسواش. أنا أولى بكل دقيقة وبكل طاقة جوايا عشان أبني نفسي من جديد.
كانت عارفة إنها مش محتاجة تحارب، لأن في قانون في الكون مبيخيبش أبدًا. سابت كل الوجع، وكل الإهانات، وكل الخذلان لربنا… كانت بتنام وهي مطمنة ومسلمة قلبها لعدل ربنا، وعارفة إن الدنيا دوارة، واللي بيتبني على كسرة قلوب الناس، مبيعيش صاحبه فيه متهني.
بدأت تركز في شغلها، في ضحكتها اللي غابت، وفي طريقها الجديد. نزلت الشارع وهي رافعة راسها، ملامحها الشاحبة رجع لها النور، وخطواتها بقت أسرع وأقوى. كانت ماشية وهي حاسة بخفة غريبة في قلبها، كأنها اتخلصت من حمل تقيل كان كابس على نفسها لسنين، والمرة دي… كانت متأكدة إن اللي جاي بتاعها هي وبس.
وبالفعل، دارت الأيام والشهور، وبقت الرواية القديمة مجرد سطر اتمسح من دنيتها. رجعت لشغفها، لضحكتها، ولحياتها اللي كانت مأجلاها عشان ترضي حد مبيشبعش. كل نجاح كانت بتحققه في طريقها الجديد، كان بيديها إحساس إنها انتصرت لنفسها بأشيك طريقة ممكنة… بالنجاح والنسيان.
وفي يوم وهي ماشية في وسط البلد، لمحت من بعيد يافطة كبيرة عليها اسم شركته والمشروع اللي باعها عشانه. وقفت لحظة، وبصت لليافطة ببرود تام. مفيش في قلبها ذرة غل، ولا ندم، ولا حتى رغبة في العتاب. ضحكت من قلبها وهي بتفتكر أد إيه كانت فاكرة إن اليافطة دي هي نهاية العالم، واكتشفت إنها كانت مجرد بداية لعالمها الحقيقي.
وهي بتلف وشها عشان تكمل طريقها، سمعت صوت دوشة وسيرة مألوفة من اتنين موظفين خارجين من المقر. واحد منهم كان بيقول للتاني بصوت واطي:
ـ “يا عم الشركة خلاص بتصفي، الشريك الجديد ضحك عليه وأخد الأسهم كلها، وأبوه لما عرف الحقيقة شال إيده من التمويل تمامًا… الراجل ده مابقاش حيلته حاجة!”
سمعت الكلام، ومشت… ما وقفتش عشان تشمت، ولا حاولت تسأل عن التفاصيل. عدل ربنا جه في وقته ومن غير ما تدوس على طرف حد أو تتلوث بإنتقام رخيص. الدنيا دارت، واللي بنى نجاحه على كسر القلوب، لقى نفسه في الآخر واقف لوحده وسط حطام أنانيته.
سحبت نفس طويل من الهوا النقي، وعدلت شنطتها على كتفها، وكملت مشيها بخطوات واثقة وسريعة، والمرة دي وهي باصة قدامها وبس… للبداية الجديدة اللي صنعتها بإيدها وكرم ربنا.
وفي ليلة من ليالي الشتا، والدنيا بتمطر بره، سمعت خبط على الباب. خبطات ورا بعضها، ضعيفة ومهزوزة كأن صاحبها بيموت من البرد أو من الخوف.
فتحت الباب ببرود، ولقت الراجل اللي كان في يوم من الأيام جوزها وابن عمها. كان واقف قدامها متبهدل، ملامحه المتبجحة والثقة المستفزة اللي كانت مالية وشه زمان اتمحت تمامًا، وحل مكانها انكسار وذل يوجع العين. دموعه كانت نازلة ومختلطة بمطر الشتا، وبمجرد ما شافها، نزل على ركبه قدام الباب ورفع إيديه يترجاها.
ـ يارا… أرجوكي سامحيني! أنا ضعت… كل حاجة ضاعت مني، الست اللي اتجوزتها عليكي سابتني وسرقت بقية فلوسي أول ما فلست، وأبويا طردني وقفل في وشي كل الأبواب… أنا ماليش غيرك يا بنت عمي.
بصت له من فوق لتحت وهي واقفة مكانها، ثابتة زى الجبل ومبتسمة ابتسامة هادية جداً، ابتسامة اللي شاف عدل ربنا بعينه ومبقاش محتاج يثبت حاجة.
حاول يمسك طرف عبايتها وهو بيبكي بحرقة:
ـ أنا عرفت قيمتك متأخر… عرفت إني بعت الجوهرة اللي كانت حامياني عشان شوية تراب. أنا مستعد أعمل أي حاجة، هبوس رجلك بس ارجعيلي، واغفريلي كسرتك… ربنا عاقبني وخد حقك مني تالت ومتلت، أرجوكي ارحميني.
سحبت طرف عبايتها من إيده براحة ومن غير عنف، وبصت في عينيه المكسورة وقالت بنبرة ناعمة بس قاتلة من كتر برودها:
ـ أنا مسامحاك يا ابن عمي… مسامحاك من زمان، لأن الانتقام والغل ملهوش مكان في قلبي. بس المسامحة حاجة… والرجوع حاجة تانية خالص.
نزلت لمستواه شوية وكملت وهي بتبص في وشه مباشرة:
ـ الراجل اللي أنتَ جاي تدور عليه جوايا، مات من اليوم اللي وقفت فيه في صالتك وبعتني عشان مشروعك. أنتَ مابقتش تعنيلي أي حاجة، لا حب، ولا كره، ولا حتى وجع. أنتَ بقيت مجرد شخص غريب غرقان في دنيته… وأنا دنيتي خلاص مابقاش ليك فيها مكان.
وقفت بكل طولها، ورجعت خطوة لورا وهي بتمسك مقبض الباب وقالت بلهجة نهائية:
ـ طريقتك في الاعتذار وصلت متأخرة أوي… زي ما وصولي لبيتك زمان كان متأخر. اطلب الرحمة من ربنا يا ابن عمي، لأن قلبي أنا مابقاش فيه ليك غير الشفقة.
وقبل ما ينطق بكلمة تانية، قفلت الباب في وشه بكل هدوء. قفلته ودارت ضهرها، ورجعت لبيتها الدافي، لنجاحها، ولقلبها اللي بقى ملكها هي وبس، وسابته بره في الضلمة والمطر، يواجه تمن الاختيار اللي اختاره بنفسه زمان.




