حكايات اماني السيد 2

بدأت أتحرك خطوات لعدم الاستسلام للضياع، وقررت أبدأ من القاع. اشتغلت في ورشة صغيرة لتركيب وتصليح الآلات، بعرق جبيني وقوت يومي بجد، وبقيت أحوش كل قرش يزيد عن أكلي وإيجار أوضتي الحقيرة في الجيزة، وأبعته لوالدي في الصعيد كرسالة اعتذار صامتة، حتى لو كان بيفضل يرفض يكلمني في التليفون.
مرت شهور، وفي يوم شتا قارص، خرجت من شغلي متأخر، ولقيت شخص واقف قصاد باب الورشة بيبصلي بذهول واشمئزاز.. كانت نورهان. ملابسها كانت دبلانة، ووشها باهت، الشياكة والكبرياء اللي كانوا بيزحزحوا الجبال اتمحوا تماماً. قربت مني بقلة حيلة وقالت بصوت مكسور:
“هادي.. أنا عارفة إننا دمرنا بعض، بس أنا مديونة بأرقام كبيرة وممكن أتسجن في أي لحظة.. أرجوك مساعدة، أصل اللي عملته فيا صاحبتي بره مصر كسرني، وأنا مالقتش حد ألوذ بيه غيرك.”
بصيت لنورهان، ومحسيتش بالشماتة، حسيت بعبء وشفقة على النتيجة المأساوية للشر. حطيت إيدي في جيبي وطلعت المبلغ البسيط اللي حوشته للشهر ده وإديتهولها وقولت بجمود:
“دي أخر حاجة أقدر أقدمهالك يا نورهان.. امشي في طريقك وحاولي تتوبي، الفلوس اللي اتركبت على كسر قلوب الناس مابتجيبش غير الخراب. إحنا الاتنين أخدنا جزاء أفعالنا، ومافضلش لينا غير إننا ندفع التمن.”
سابت الفلوس في إيدها ومشيت وهي بتعيط بمنتهى العجز، وبقيت أنا واقف في الشارع الضيق، حاسس إن آخر قيد كاذب من الماضي اترفع عن كاهلي.
بعد أسبوعين، جالي إشعار من المحكمة لحضور جلسة تسوية قضايا تخص المحل والورشة القديمة بتاعة والدي في الصعيد. سافرت للبلد بقلب خايف ومتردد. لما دخلت قاعة المحكمة، اتفاجأت بوجود فاطمة قاعدة مع محاميها.
اتضاح إن نورهان كانت بايعة أوراق مطالبات مزورة على محلات والدي للبنك قبل إفلاسها، وكانت القضايا تهدد بحجز البيوت والمحلات. بس فاطمة، بشركتها ومكتبها القانوني الجديد، كانت شغالة على القضية بقالها شهرين، وسددت كل ديون البنك القديمة وأنهت القضايا، وحمت أرض والدي ومحلاته من المصادرة.
بعد الجلسة، وقف والدي وأمي قدام باب المحكمة، وبيحضنوا فاطمة ويدعولها بالستر والبركة، وهي بتبتسم لهم بحب حقيقي وعين مليانة بالوفاء. قربت منهم بالراحة، والكل سكت فجأة.




