حكايات مني السيد

عشان دي عينها وحشة في البت!… ده اللي قالتهولي يا عصام، وده اللي خلاني الصبح أفرش الملاية لحماتي وأقول مرات الغالي جاية إيد ورا وإيد قدام!
عصام بص لنادية بصدمة، وشه اتغير 180 درجة، بؤبؤ عينيه وسع وكأنه بيشوف واحدة تانية خالص غير اللي عايشة معاه بقالها عشر سنين الكلام ده حصل يا نادية؟ إنتِ قلتي الكلام ده لأختي؟
نادية ارتبكت، وبدأت تتلفت يمين وشمال كأنها بتدور على مخرج طوارئ لا… محصلش! دي أم ملك بتتبلى عليا عشان تطلع هي المظلومة! والله العظيم كذب!
حمايا رفع التليفون بتاعه وداس على زرار، وطلع صوت نادية واضح ونقي من مكبر الصوت، تسجيل مكالمة كان حمايا مسجلها بالصدفة لما نادية اتصلت بيه الصبح بدري تسخنه على أروى قبل ما تيجي صوت نادية طالع من السماعة بيلسع زي العقربة يا عمي إنت عارف غلاوتك، بس أروى دي نيتها سودة من ناحيتنا، امبارح دخلت على البت عيانة شربت الشربات وضحكت في وشنا ونزلت ولا عبرت، وأنا اللي قلبي وكلني وجبت الشنطة اللي كسر ضهري تمنها عشان محدش يشمت فينا… لازم توقف أحمد عند حده، دي بتعلم البخل على قفانا!
التسجيل وقف.
والصمت اللي جه بعده كان صمت مقابر.
عصام وقف مكانه مشلول، إيديه الاتنين نزلوا جنبه، ووشه بقى شبه الميتين. الفضيحة مكنتش بس إنها سرقت الكيس، الفضيحة إنها كانت بتخطط وتدبر وتوقع بين الإخوات بنية مسبقة، وبتلف على البيت كله تزرع الفتنة والغل، وتستغل طيبة الناس ومرض البت الصغيرة عشان تعمل لنفسها مقام على حساب كرامة غيرها.
حماتي، اللي كانت طول عمرها بتميل لنادية عشان لسانها حلو وبتعرف تسايرها، لطمت على صدرها وقالت بصوت مسموع يا لهوي يا نادية… ده كله في قلبك السواد ده؟! بتوقعي بين ولادي عشان كيس زبادي وعصاير؟! ده إنتِ كنتِ هتخلّي الأخوات يدبحوا بعض النهاردة!
نادية وطت راسها في الأرض، ومقدرتش ترفع عينها في حد، الوش المزيف وقع، وبانت حقيقتها قدام البيت كله، قدام حماها وحماتها وسلفاتها وجوزها.
عصام لف ببطء، بص لنادية وهو بيجز على سنانه لدرجة سمعت صوت احتكاكها انزلي على شقتك.
نادية حاولت تتكلم عصام، اسمعني بس…
عصام صرخ فيها بصرخة خلت العمارة كلها تترج انزلييييي! مش عايز أسمع صوتك ولا أشوف وشك الليلة دي، انزلي لمي هدومك وروحي عند أمك لحد ما أشوف المصيبة اللي أنا اتدبست فيها دي حلها إيه!
نادية جريت على السلم بتعيط عياط حقيقي المرة دي، عياط الخزي والفضيحة، ونزلت لتحت وهي بتجر أذيال الخيبة، والباب رزع وراها في الدور التاني.
عصام وقف مكانه، كتافه مهدودة كأنه شال جبل، بص لحمايا وقال بصوت مكسور حقك عليا يا با… أنا اتعميت، ومكنتش شايف.
وبعدين لف وشه وبصلي أنا، وكان وشه في الأرض مش قادر يحطه في وشي حقك على راسي يا أروى… أنا ظلمتك، وكلامي اللي قلته من شوية كان جهل وغباء مني. إنتِ بنت أصول ومشوفتش منك العيبة في بيتي ولا بيت إخواتي، وحقك تاخديه من رقبتي ورقبها.
هزيت راسي بهدوء، ومردتش بكلمة واحدة زيادة. السكوت في اللحظة دي كان أبلغ من مية عتاب. الحقيقة ظهرت، وربنا نصرني من غير ما أمد إيدي ولا أرد الإساءة بالإساءة، بس الوجع اللي كان في قلبي مكانش من عصام ولا من نادية… الوجع الحقيقي كان واقف جنبي، ساكت ومطأطأ راسه.
حمايا طبطب على كتف عصام وقال له انزل يا ابني استهدى بالله وشوف بنتك التعبانة، والموضوع ده هيتقفل ومش عايز كلمة زيادة فيه في البيت ده لحد ما ملك تقوم بالسلامة، وبعدين ليا قعدة تانية معاك ومع مراتك.
نزل عصام، ونزلت وراه أم ملك وهي بتبصلي بأسف واعتذار، وحماتي خدت جوزها ونزلوا، وفضل باب الشقة مفتوح، وأنا وأحمد واقفين في الصالة لوحدنا تاني.
أحمد قفل الباب ببطء شديد، ولف وشه ليا.
كان مكسور، عينه مش قادرة تلتقي بعيني. قرب خطوتين، وحط إيده على كتفي بصوت واطي ومتردد أروى… أنا…
شيلت إيده من على كتفي بهدوء شديد، ورجعت خطوة لورا.
متكملش يا أحمد.
أحمد بصلي بلهفة والله العظيم كنت مزنوق ومضغوط، عصام أخويا الكبير وإنتِ عارفة طبعه الحامي، كنت عايز الليلة تعدي والبيت ميتخربش، مكنتش أقصد أهينك ولا أقلل منك…
بصيت له بحزن عميق، حزن الست اللي بتشوف شريك حياتها بيصغر قدام عينيها البيت مكنش هيتخرب لو وقفت في ضهري يا أحمد. البيت اتخرب في اللحظة اللي طلبت مني فيها أطاطي للباطل عشان تشتري خاطر أخوك. إنت مكنتش بتشتري خاطر أخوك، إنت كنت بتستسهل تكسرني أنا، عشان عارف إني طيبة وبسكت وبعمل خاطر للعشرة وللعيال.
أحمد دمعت عينيه أنا غلطت يا أروى… والله العظيم غلطت، وجزمتك على راسي، بس متعمليش فيا كده، إحنا ملناش غير بعض.
أخدت نفس عميق، ومشيت ناحية أوضة ابني، وقفت على الباب وبصيت له لآخر مرة في الليلة دي أنا هقعد في شقتي يا أحمد، عشان خاطر ابني، وعشان خاطر الراجل الطيب اللي تحت اللي نصرني ومرديش بالظلم في بيته. بس اللي اتكسر بيني وبينك النهاردة، مش هيتصلح بكلمة حقك عليا… مكانتك اللي كانت هنا، اتهزت. وعشان ترجع زي الأول، محتاج تثبت لنفسك وليا إنك راجل البيت ده بجد، مش مجرد ظل لأخوك الكبير.
دخلت الأوضة، وقفلت الباب ورايا. قعدت جنب ابني وهو نايم في سريره، حطيت إيدي على شعره الصغير وبصيت للسما من شباك الأوضة.
الشنطة اللي جبتها لملك مكنتش مجرد جيلي وعصاير، كانت اختبار كبير كشف كل المعادن الصدية اللي حواليا. نادية خدت جزاء نيتها وغلها اللي فضحها قدام الكل، وأم ملك اتعلمت درس إنها متسمعش بودان غيرها، وأحمد عرف إن السكوت والطيبة مش ضعف، وإن الصبر له حدود لو اتعدت، محدش هيعرف يرجّع اللي راح.
حطيت راسي على المخدة، ولأول مرة من يومين، أحس بهدوء حقيقي في قلبي. الظلم وحش وناره بتحرق، بس يقيني في إن ربنا مبيضيعش حق حد، كان هو البرد والسلام اللي طفّى النار دي كلها.





