زينب

مرت الأيام بعد قفلة الباب دي، والبيت اللي كان حسه عالي بحركتها وخدمتها بقى عامل زي المقبــ,,ـــــرة، كئيب وملهوش طعم ولا بركة. كنت فاكرة إنها يومين وهتيجي تبوس إيدي وتطلب السماح، لكن عدى أسبوع واتنين وهي قاطعة الخبر تمامًا، متطلعش خطوة بره عتبة شقتها، حتى جوزها لما يرجع من شغله يدخل تحت وميطلعش يسهر معانا زي عوايده.
سلايفها اللي كانوا واخدين على الراحة والأكل الجاهز والمطابخ المتنضفة على الفرازة، بدأوا يضــ,,ـــــربوا في بعض. دي تقول دي نوبتها في غسيل السلم، والتانية تصوت من تراكم الغسيل وطبيخ العزومات، وابتدت المشاكل والخناقات تدب في كل ركن، وبقوا يترموا في وشي بدل ما كان كلامهم معسول.وفي يوم، وقعت في الصالة ورجلي اتلوت ومقدرتش أتحرك من مكاني.
فضلت أنده وأستغيث، سلفتها الكبيرة قالتلي من ورا باب شقتها: “معلش يا حجة ضهري وجعني ومش قادرة أنزل”، والتانية خرجت عملت نفسها مش سامعة ورايحة مشوار لأهلها. في اللحظة دي بالذات، حسيت بالكسرة والذل اللي كنت بدوقهولها كل يوم بإيدي.سمعت صوت خطوات سريعة على السلم، الباب اتفتح، ولقيت زينب داخلة تجري ووشها مخطوف. شالتني من على الأرض، سندتني بحنية، وعملتلي كمادات ودهنتلي رجلي وهي ساكتة تمامًا، مفيش في عينيها شماتة، بس كان فيها حزن يهد جبال.
جيت أمد إيدي أطبطب عليها وأقولها سامحيني يا بنتي، قامت راجعة خطوة لورا، وقفت وبصتلي والدمعة محبوسة في عينيها وقالت: “أنا قومت بيكي دلوقتي عشان خاطر ربنا وتربيه ابويا أبويا اللي رباني عليه، مش عشان مستنية منك رضا ولا خايفة من غضبك.. بس اللي اتكسر في قلبي وفي نفس عيالي، عمره ما هيتلم تاني يا حجة”. لفت ضهرها ونزلت بهدوء، وسابتني وسط البيت الواسع اللي مليان جدران وبرد، وعرفت وقتها إن أصعب عقاب ممكن تعيشه، هو إنك تخسر إنسان أصيل ظلــ,,ـــــمته بإيدك.بعد الليلة دي، حسيت إن البيت كبر عليا فجأة، وبقت كل حيطة فيه بتفكرني بقسوتي.
سلايفها اللي كنت بعملهم حساب وبراضيهم على حسابها، بقوا يتخانقوا على أتفه الأسباب، وكل واحدة فيهم شايفة نفسها أميرة ومحدش يطلب منها كوباية مية. ابني الكبير جه في يوم يزعق ويشتكي إن البيت مهمل ومحدش بيطبخ لأمه، مردتش عليه، لأني كنت عارفة إن اللي بنى العز ده كله بحسّه وطيبته كان زينب، واحنا بأيدينا طردنا البركة من البيت.ابني جوزها، اللي كان دايمًا ساكت وواطي الراس عشان ميزعلنيش، جه قعد قدامي في يوم وبص في عيني بوجع عمري ما شفته فيه، قالي: “أنا سكتت كتير يا أمي وقولت رضاكي بالدنيا، بس سكوتي كسر مراتي وذل عيالي، وأنا مش هقبل أعيش هنا دقيقة واحدة تانية”.





