كنت بنضف مدخل الشركة حكايات بسمة

الراجل الكبير ابتسم بسخرية.
— «وإنت هتعمل إيه يعني؟»
أدهم ما ردش.
لكن واحد من الرجالة اللي واقفين ورا، أول ما ركز في وشه…
اتغير لونه.
فضل باصص له ثواني.
وبعدين رجع خطوة لورا.
وقال بصوت واطي، وكأنه مش مصدق اللي قدامه:
— «فؤاد…؟»
أدهم رفع عينه له.
الرجل بلع ريقه وقال:
— «مستحيل…»
وفجأة، كل اللي في المكان بصوا لأدهم بطريقة مختلفة.
لأول مرة، ما حدش شافه عامل نظافة.
لأن الراجل اللي واقف قدامهم…
كان شخصًا من ماضيهم، هما نفسهم كانوا بيحاولوا يهربوا منه.
ساد الصمت في مدخل الشركة كأن الوقت توقف. الراجل الضخم اللي كان ماسك ذراع ليلى رخى إيده ببطء، وعينيه بدأت تتحرك بين أدهم وبين زميله اللي نطق الاسم.
ليلى كانت بتتنفس بصعوبة، ظهرها لازق في الرخام، وبصت لأدهم بذهول. عامل النظافة الهدائي اللي كان بيعدي من جنبها كل يوم وهو حاني راسه، واقف دلوقتي بثبات مرعب، كتافه مفروضة، ونظرة عينيه اتغيرت تماماً من البساطة للصرامة الحادة.
الراجل اللي عرفه
قرب خطوة، وصوته كان بيرتجف:
— «أنت بتعمل إيه هنا يا فؤاد؟ بقى لك أربع سنين اختفيت من السوق كأنك الأرض انشقت وبلعتك… الناس كانت بتقول إنك اعتزلت أو سافرت بره!»
أدهم ما رمش، وقال بنبرة هادية وبصوت واطي بس فيه نبرة تحذير تخلي الدم يتجمد:
— «أنا هنا باكل عيش وبحافظ على بنتي… والمكان ده ناسه محترمين. سيبوا المدام وانسحبوا بهدوء قبل ما تتفتح دفاتر قديمة محدش فيكم يقدر يقفلها.»
الراجل الضخم اتنرفز وقال لزميله بغضب:
— «أنت خايف من مين يا حاتم؟! ده حتة عامل نظافة! إحنا جايين ننفذ أمر وبس، ومعانا كروت حماية تخلينا نخرج من أكبر قضية!»
حاتم مسك ذراع الراجل الضخم بقوة وقال بصوت مجهد:
— «اسكت يا غبي! أنت مش فاهم ده مين… ده فؤاد «الصخرة»! ده الراجل اللي فكك أكبر شبكة ابتزاز في العاصمة وسجن القيادات بتوعنا من أربع سنين قبل ما يختفي! لو اتدخل، القضية مش هتبقى ورق وتوقيع… هتبقى تصفية حسابات شاملة!»
في اللحظة دي، تليفون ليلى اللي كان على الأرض أضاء بإشعار رسالة جديدة. أدهم نزل ببطء أخذ التليفون، وقرأ الرسالة اللي كانت مكتوبة:
> «مش لازم نلمسها… كفاية نخليها تصدق إننا نقدر نوصل للولد.»
>
أدهم أول ما قرأ الكلمات دي، فهم الخطة كلها. الرجالة دول ما كانوش جايين يقتلوها أو يضربوها؛ كانوا جايين يمارسوا ضغط نفسي عشان تمضي على تنازل عن أسهم الشركة، والرسالة كانت إشارة إن ابنه الصغير (أحمد) اللي في المدرسة أو النادي تحت عينيهم.
أدهم بص لليلى وقال بصوت هادي:
— «ابنك فين دلوقتي يا مدام ليلى؟»
ليلى صوتها طلع بآهة خائفة:
— «في كورس الرسم… مع السائق في المعادي!»
أدهم طلع تليفونه القديم بسرعة، وضغط على رقم حافظه عن ظهر قلب. رد عليه صوت راجل ثقيل:
— «أهلاً يا فؤاد… بقالك سنين ما اتصلتش.»
أدهم قال بصرامة:
— «يا كابتن، فيه طفل اسمه أحمد في مركز الرسم بالمعادي، فيه عربية مراقباه. اتحرك فوراً وأمن الولد وهاته على قسم الشرطة الرئيسي.»
الراجل رد بثقة:
— «خمس دقائق والولد هيكون في حمايتي يا فؤاد… اعتبارها اتعملت.»
حاتم والرجالة اللي معاه فهموا إن الخيط الأهم في إيديهم اتقطع. حاتم ارتد للخلف وقال:
— «يلا نمشي من هنا… العملية فشلت.»
لكن الراجل الضخم طلع مطواة من جيبه بغضب واندفع ناحية أدهم:
— «مش هخرج من هنا وإيدي فاضية!»
أدهم ما تحركش من مكانه إلا في أخر جزء من الثانية. بأقل حركة ممكنة، تفادى الضربة، مسك معصم الراجل ولوى دراعه لورا بمهارة وسرعة مرعبة، وفي ثواني كان الراجل الضخم ممدد على الأرض الرخام وصوت كسر مفاصله يرن في المكان. أدهم أخد الكلبشات البلاستيكية السريعة من جيب معطفه القديم وربط إيد الراجل بثبات.
الرجالة الأربعة التانيين أول ما شافوا المشهد، انسحبوا بفرار وسرعة ناحية الباب الخارجي وركبوا العربية الـ SUV وهربوا في المطر.
أدهم وقف، أخد نفس عميق، والتفت لليلى اللي كانت مصدومة ومش قادرة تستوعب اللي حصل.
— «أنتِ بخير يا مدام ليلى؟»
ليلى بلعت ريقها بالعافية وقالت:
— «أنت… أنت مين يا أدهم؟ أو يا فؤاد؟ أنت إزاي بتتصرف كده؟!»
أدهم نزل جاب الممسحة من على الأرض، وقال بهدوء:
— «أنا أدهم… عامل النظافة اللي حضرتك بتساعديه في مصاريف كورس بنته. والشرطة زمانها على وصول.»
خلال عشر دقائق، كانت سيارات الشرطة وصلت المكان. نزل الضابط المسئول ومعاه قوة أمنية، وأدهم سلم الراجل المكلبش على الأرض.
الضابط بدأ يكتب المحضر، وأخد أوراق وتصاريح من إيد الراجل المكلبش. وفي نص الإجراءات، الضابط مسك أمر إيقاف كاميرات المراقبة اللي اتنفذ قبل الواقعة بـ 10 دقائق عشان ما يتمش تسجيل الدخول.
الضابط بص للورقة وقال باستغراب:
— «مين اللي أدى الأمر الفني بإيقاف سيستم الكاميرات من داخل الشركة الساعة 8:30 بالليل؟»
أدهم قرب وبص على التوقيع المكتوب في أسفل أمر الإيقاف…
وكانت الصدمة الكبرى!
التوقيع المكتوب بخط يده، والختم الرسمي المرفق… كان توقيع «ماجد منصور»، رئيس مجلس إدارة الشركة، وأخو ليلى نفسه!
ليلى أول ما شافت التوقيع، الشهقة اتخفقت في حلقها، ووشها فقد كل ألوانه:
— «ماجد؟! أخويا هو اللي قفل الكاميرات وسهل دخولهم؟!»
أدهم بص لليلى بعيون مليانة تفهم وأسى، وقال بصوت هادي:
— «الموضوع ما كانش مجرد عصابة برانية يا مدام ليلى… أخوكي هو اللي كان عايز يجبرك تبيعي أسهمك للشركة المنافسة قبل اجتماع مجلس الإدارة يوم الأحد، واستغل السائق والرجالة دول عشان يضغطوا عليكي بطفلك.»
في اللحظة دي، تلفون الضابط رن، وكان البلاغ بتأمين الطفل أحمد ووصوله بسلام مع حارس أدهم القديم لمقر المحافظة.
ليلى انهارت على الكرسي وبكت بحرقة، مش بس من الخوف، لكن من قساوة الخيانة اللي جت من أقرب الناس ليها.




