العزومة حكايات روماني مكرم 1

ردت نجوى وهي تمسح دموعها بطريقة درامية وتستند إلى حافة الرخامة: “تتغسل؟ دي سجادة يدوية مستوردة بآلاف الجنيهات! وبعدين أنا قلت من الأول مش عايزة حد يدخل المطبخ، هانم جات وعاندت ودخلت برضه! إنتوا جايين تبوظوا عزومتي وفرحتي بلمة رمضان؟”
هنا تطلع إسماعيل إلى زوجته بغضب مكتوم، ورفع يده محاولاً تهدئتها: “بس يا نجوى! العيب مش عليهم، العيب عليا أنا اللي ساكتلك من الصبح. دي غلطة طفل، والعصير يروح وييجي، والمطبخ يتنضف. خالد أخويا ومراته وولاده على راسي من فوق، ومحدش هيخرج من البيت ده إلا وهو فاطر.”
لكن نجوى لم تستسلم، بل اشتعلت أكثر من مواقف زوجها الذي اعتبرته خذلاناً لها أمامنا. صرخت بصوت أعلى: “على راسك إنت! لكن على حساب نظافة بيتي ومشهودي؟ لو الموقف ده حصل في بيتهم كانت حالتهم هتكون إيه؟ أنا مش هطبخ ولا هحط لقمة في بوقي طول ما المكان ده كده، والناس دي هنا!”
كانت كلمة “الناس دي” هي القشة التي قطعت جهيزة كل أمل في الصلح. شعرت بدمائي تغلي، ونظرت إلى خالد الذي أومأ لي بنظرة فهمت مغزاها فوراً. لم نعد نتحمل هذا القدر من التقليل. مسكت يد ياسين ورفعت رأسي بثبات وقيلت: “إحنا آسفين على العصير، وآسفين إننا دخلنا بيتك يا نجوى. حقك علينا، والسجادة بكرة الصبح هيكون بدالها جديدة في بيتك، لكن كرامتنا وكرامة عيالنا أهم من أي فطار.”
انحنيت لأخذ حقيبتي من على الطاولة في الصالة، وبدأ أطفالي الآخرون بالبكاء من أثر التوتر السائد. حاول إسماعيل جاداً الإمساك بذراع خالد وهو يقول ونبرته تتوسل: “والله ما تحصل يا خالد! عشان خاطري أنا، دي ساعة أذان، الشوارع واقفة، تأكلوا لقمتكم والأمر يقضى.”
رد خالد وهو يرفع يده محتضناً كتف إسماعيل بنبل: “عشان خاطرك أنت يا إسماعيل إحنا مش هنكبر الموضوع أكتر من كده، بس القعدة هنا أصبحت غير مريحة للطرفين. مراتك مش قبلانا، وأنا عيالي مش هيعدوا دقيقة واحدة وهم حاسين إنه مرغوب عنهم أو إنهم سبب مشكلة. الأذان بيأذن، روح افطر مع مراتك، وإحنا ربنا متكفل بينا.”
صوت أذان المغرب ارتفع في تلك اللحظة بالذات من المسجد المجاور، يتردد صداه بين جدران الشقة المكتومة بالتوتر: “الله أكبر.. الله أكبر”. كان صوتاً يبعث على السكينة، لكنه زاد من وطأة الحزن في قلوبنا. كنا نتطلع لإفطار رمضاني دافئ ينتهي بنا المطاف مطرودين بكبرياء شريف في لحظة الإفطار.



