العزومة حكايات روماني مكرم 1

خرجنا من الشقة، وصوت إسماعيل يرتفع بالنداء خلفنا على السلم وهو يحاول إقناعنا بالعودة، لكن خالد أغلق باب المصعد بصرامة، تاركاً شقيقه في مواجهة زوجته المتجهمة.
في السيارة، ساد صمت رهيب. لم ينطق أحد بكلمة. كانت الشوارع حولنا تخلو تدريجياً مع انطلاق الأذان، وأضواء الفوانيس المعلقة في حواري القاهرة تضيء الزجاج المظلم. تنفس ياسين الصعداء وهو يمسك بيدي ويقول بصوت خافت: “يا بابا، هو أنا كده زعلت ربنا عشان وقعت العصير؟”
التفت خالد إلى الخلف ابتسامة دافئة رغم الحزن العميق في عينيه، وقال: “لا يا حبيبي، إنت ما عملتش حاجة بقصد، وربنا عارف إنك طفل بتلعب. بس لازم نتعلم نكون أهدى في بيوت الناس.”
فتحت حقيبتي، ووجدت فيها بضع تمرات كانت المتبقية من زحام اليوم، وزعتها على الأطفال وعلى خالد. أفطرنا في السيارة على بضع تمرات وزجاجة ماء صغيرة من درج السيارة، في منتصف شارع جانبي بالقرب من منطقتنا. لم تكن هذه هي العزومة التي توقعناها، ولكن الهدوء الذي حل علينا بعد الخروج من ذلك البيت المسموم كان يسوى الدنيا بأسرها.
وصلنا منزلنا، وقمت فوراً بتجهيز ما تيسر من الطعام السريع للأطفال الذين كانوا يعانون من الجوع والتعب النفسي. بينما جلس خالد في الصالة يقلب في هاتفه بشرود. كان يعرف أن هذا الموقف لن يمر بسلام بينه وبين أخيه الكبير، فشقيقه إسماعيل، رغم طيبته، يعيش تحت سطوة نجوى منذ سنوات، وهذه Incident لم تكن الأولى، لكنها كانت الأشد قسوة.
بعد ساعات قليلة من الإفطار، وبينما كنت أقوم بتنظيف المطبخ، رن هاتف خالد. كان المتصل هو إسماعيل. تردد خالد في الرد لثوانٍ، ثم رفع السماعة وفتح مكبر الصوت لنسمع سوياً.
جاء صوت إسماعيل مكسوراً، يخنقه الخجل: “يا خالد.. أنا مش عارف أقولك إيه. أنا آسف يا أخويا، حقك عليّ فوق راسي. أنا عمري ما اتمنيت إني أتحط في موقف زي ده معك ومع عيلتك.”
رد خالد بهدوء وثبات: “يا إسماعيل، أنت أخويا الكبير، ومقامك محفوظ. لكن اللي حصل النهاردة تجاوز كل الحدود. نجوى اتعاملت مع مراتي وابني بأسلوب لا يرضي ربنا ولا يرضي عبد. الولد اتهان ومسكتوا من دراعه، ومراتي اتهانت في بيتك وأنا واقف.”



