سلفتي سكر حكايات روماني مكرم 3

أما سعاد.. فقد كانت تقف في منتصف الصالة، ترتدي عباءة بيضاء جديدة، وتضع على وجهها تلك الابتسامة الصافية التي أضاءت البيت لسنوات. وما إن وطأت قدمي الشقة، حتى رفعت يديها وأطلقت زغروطة طويلة، مبهجة، واهتزت لها جدران الشقة وأركانها:

“لولولولولولولولولوي! حمداً لله على سلامتكم يا حجاج بيت الله! نورتوا بيتكم ورجعتوا لنا بالبركة والنور والسرور!”

ارتفعت الأصوات بالتهليل، وجاءت سعاد ونفذت وعدها القديم؛ احتضنتني جامدًا وقالت وهي تضحك ضحكتها الرنانة: “رديتها لك أهو زي ما وعدتك وأكتر! نورتي بيتك يا أختي يا حبيبتي!”

جلسنا جميعاً في الصالة الكبيرة، وحولنا هدايا الحجاز والمياه المباركة، وسادت المكان حالة من السكينة والارتياح اللامحدود. لم يكن هناك أثر لغل، ولا حسد، ولا حقد؛ لقد طهر الله هذا البيت تماماً، وخرج منه كل من يحمل في قلبه شراً، واستقر فيه من يملك النية الصافية فقط.

نظر حمايا إلينا جميعاً، وكان وجهه يفيض بالرضا والوقار، وقصّ علينا المفاجأة السارة التي كانت تنتظرنا؛ فالورشة توسعت وفتحت فرعاً جديداً باسم العيلة، وشريف ورضوى رزقهما الله بالحمل المبارك، وسعاد افتتحت مشروعها الصغير للمأكولات المنزلية لتوزع منه على الفقراء والمحتاجين قبل أن تبيع منه للمقربين.

تبسمت سعاد وقالت بنبرتها الفرفوشة المعتادة: “أصل يا جماعة البيت ده مبني على الفرفشة والنية الطيبة، والنية الطيبة دي زي البذرة الصالحة، لو اتسقت بماء الود والجدعنة تطرح خير وما تموتش أبداً!”

أمّن الجميع على كلامها، وتأملت في كل ما مررنا به من محن وأزمات؛ من غيرة نرمين ومكرها، إلى المحاكم والقضايا والكيد الخبيث. وعرفت حينها الحكمة الكبرى التي يتلخص فيها سر هذه العائلة:

الحكمة:

إن القلوب الصافية والنيات الطيبة قد تُبتلى بالشرور والفتن، وقد تحاول النفوس المريضة كسر فرحتها أو تلويث ناصيتها، لكن المعدن الأصيل لا يصدأ، والبيت المعمور بالذكر والشهامة لا تهدمه أفاعي الغل. الفرفشة والضحك والجدعنة ليست مجرد قشور، بل هي قوة ورضا بالقدر وثقة مطلقة بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. والظلم مهما أظلم ليله، فإن فجر الحق لا بد أن يشرق ليجعل كيد الخائنين في نحورهم، ويبقى أهل الود والصفاء هم الفائزين في النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *