سلفتي سكر حكايات روماني مكرم 3

وفي صباح يوم مشرق، وبينما كنا نعد المشروبات في المطبخ ونتقاسم المهام اليومية بروح أسرية دافئة، دخل زوجي الصالة ووجهه يفيض بالبشر والسرور، يحمل في يده مظروفًا أنيقًا. ألقى السلام بنبرة حنونة مليئة بالشكر، واقترب مني أمام الجميع وهو يبتسم ابتسامة عريضة لم أرها على وجهه منذ فترة طويلة.
سأله حمايا باهتمام: “خير يا بني؟ إيه المظروف اللي في إيدك ده؟ شايف وشك منور ومبتهج على الصبح!”
فتح زوجي المظروف وأخرج منه الأوراق وهو ينظر إليّ بعيون مليئة بالمودة والامتنان: “الحمد لله يا أبا.. ربنا فتحها علينا بعد الصبر والدعاء، وأخيرًا تأشيرات الحج وأوراق زيارة بيت الله الحرام طلعت كاملة ومكتملة لي ولزوجتي! ده الفضل بعد ربنا يرجع لدعواتكم ولجدعنة سعاد اللي كانت دايماً تتفاءل وتدعي بالحجاز!”
هبط الخبر على قلبي كشلال من النور والدفء، وتجمدت حركتي لحظات من شدة المفاجأة والتأثر. كان حلم زيارة بيت الله الحرام يراودني منذ سنوات طويلة، وكنت أترقبه بلهفة ورجاء. دمعت عيناي خشوعًا وشكرًا لله، وقام حمايا من مكانه يحتضن زوجي ويدعو لنا بالقبول والسلامة.
في هذه اللحظة بالذات، نفضت سعاد يديها من العجين وقفت في وسط الصالة والسرور يملأ وجهها كأنه شمس أشرقت فجأة. انطلقت منها زغروطة مدوية هزت أركان البيت والشارع، زغروطة أطول وأقوى من كل ما سبق، تبعتها بدعوات حارة تخرج من أعمق نقطة في قلبها الطيب:
“لولولولولولولولولوي! ألف مبروك يا أختي يا حبيبتي! عقبال ما تطوفي حوالين الكعبة وتدعي لنا كلنا بالستر والعمار! يا بختك برضا ربنا وزيارة نبيه، ترجعي لنا بالف سلامة وغنيمة!”
اقتربت مني سعاد واحتضنتني بقوة، ودموع الفرح المتبادلة تملأ أعيننا. تذكرت على الفور يوم أن رتبت لها الثلاجة واحتضنتني قائلة إنها سترد لي الجميل حين أعود من الحجاز. رددت عليها ونفسي مليئة بالحب: “دا كله بفضل ربنا ثم نيتك الصافية يا سعاد، دعواتك وفرحتك هي اللي كانت فاتحة خير على البيت ده كله.”
خلال الأيام التي سبقت السفر، تحول البيت إلى شعلة من النشاط والبهجة استعدادًا لهذه الرحلة المباركة. كانت سعاد تتولى كل التفاصيل بنفسها؛ تشتري مستلزمات السفر، وتساعدني في تجهيز الحقائب، وتوصي الجميع بدعوات محددة أمام الروضة الشريفة. لم تترك شيئاً للصدفة، وكانت تبتكر الأفكار وتوزع الهدايا البسيطة على الجيران والمقربين لطلب العفو والدعاء.




