دفنت مراتي

الراجل أخد ابنه يوسف وركبوا العربية ومشيوا، وسابوني في وسط المدافن، مابين حزن الوداع وصدمة الخيانة. مكنتش عارف أبكي على فريدة اللي حبيتها وماتت، ولا أبكي على نفسي اللي اتخدعت في أأمن إنسانة ليا في الدنيا.

سيبت المدافن ورجعت المستشفى وأنا زي الزومبي، لا شايف ولا سامع. دخلت أوضة الأطفال المبتسرين، وقفت قدام الإزاز وبصيت للطفل الصغير اللي لسه مولود.. حتة لحمة حمرا، نايم في الحضّانة وبيتنفس بصعوبة.

بصيت له ودموعي نزلت.. الطفل ده ملوش ذنب في أي حاجة. هو ابن فريدة اللي خدعتني، بس هو برضه ابني أنا، حلمي اللي كنت مستنيه.

حطيت إيدي على الإزاز وقولتله أنا مش هسيبك يا ابني.. إنت الحقيقة الوحيدة اللي طلعت بيها من الليلة المظلمة دي.

مرت الأيام، وطلعت شهادة ميلاد لابني وسميته آدم. مكنتش قادر أرجع الشقة اللي شهدت خديعة فريدة، بعتها بكل اللي فيها، وأخدت ابني وسافرت لبيت أهلي في المنصورة

عشان أبدأ من جديد.

مرت خمس سنين، وآدم كبر وبقى شبهي في كل حاجة، بس عينيه.. عينيه كانت نسخة من عيون فريدة. كل ما أبص له، بفتكر اليوم ده، وبفتكر الصدمة.. بس الوجع مبقاش زي الأول، الزمن بيهدي كل حاجة.

في يوم، وأنا قاعد مع آدم في حديقة عامة، لقيت ولد شاب قرب مني، ملامحه مش غريبة عليا. ركزت في وشه.. كان يوسف، بس كبر وبقى طولى.

يوسف بصلي بابتسامة حزينة وقال أستاذ سليم؟ أنا يوسف.. فاكرني؟

وقفت وسلمت عليه، ولقيت قلبي بيدق بسرعة. قولتله أهلاً يا يوسف.. كبرت ما شاء الله. بابا عامل إيه؟

يوسف قعد جنبي وبص لآدم الصغير وقال بابا اتوفى من سنتين يا أستاذ سليم.. وأنا بقيت لوحدي بشتغل وبدرس. بس طول السنين دي كنت بدور عليك.. مش عايز من الدنيا حاجة، غير إني أشوف أخويا.

بصيت ليوسف، وشوفت في عينيه نفس الكسرة القديمة، بس معاها لهفة وأمل. بصيت لآدم اللي كان بيلعب ومبسوط، وحسيت إن ربنا باعتلي يوسف عشان الدايرة تكتمل.. فريدة غطت دنيتها بالكدب، بس سابت وراها طفلين ملهمش ذنب.

مديت إيدي ليوسف وقولتله أخوك أهو يا يوسف.. ومن النهاردة، إنت كمان مش لوحدك. بيتي مفتوحلك في أي وقت، وإحنا أهلك.

يوسف دمع، وأخد آدم في حضنه، وآدم ضحك وكأنه عارف إن ده أخوه. في اللحظة دي، حسيت إن روحي هديت تماماً، وإن قصة فريدة قفلت صفحتها المؤلمة، وبدأت صفحة جديدة كلها رضا وعوض من ربنا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *