دفنت مراتي
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. صرخت، ووقعت في الأرض، ومش فاكر أي حاجة تانية لحد ما لقيت نفسي واقف وسط المدافن، بندفن حلمي اللي مالحقتش أعيشه، وبودع الإنسانة اللي ملأت دنيتي حب في شهور معدودة.
التراب لسه مالي إيدي، وريحة المدافن والوداع مأثرة على كل نفس طالع مني. سنة واحدة.. سنة واحدة بس هي كل اللي عشته معاها. كنت واقف قدام قبرها، ركبي مش شايلاني، ودموعي بتنزل تحرق وشي. مش قادر أصدق إن فريدة خلاص بقت تحت التراب، وإن الضحكة اللي كانت بتنور دنيتي من سنة واحدة بس، انطفت للأبد.
حسيت ب برودة غريبة في الجو رغم إننا كنا في عز الظهر، الدنيا
اسودت في عيني، وكنت منهار حرفياً، لدرجة إني مكنتش سامع صوان العزا ولا الناس اللي بتطبطب على كتفي وبتقولي شد حيلك. في اللحظة دي، مفيش أي كلام في الدنيا كان ممكن يصبرني.
وسط الوجع اللي كان عاصر قلبي، لمحت خيال صغير واقف على بعد خطوات مني. ركزت بعيني اللي مليانة دموع، لقيت طفل عنده حوالي عشر سنين، لبسه مبهدل شوية، وواقف مش مبطل عياط.. عياط بهستيريا، جسمه كله بيترعش من كتر البكا، وكأنه بيموت من الوجع. منظر الولد كسر قلبي اكتر. قولت في نفسي يا حبيبي يا ابني، صدمة الموت صعبة على الكبار، فما بالك بالعيال الصغيرة.
قربت منه بخطوات تقيلة، وحطيت إيدي على كتفه وبقيت أطبطب عليه وأنا بحاول أجمع صوتي الرايح
انت كمان لك حد اتوفى هنا يا حبيبي؟ مين اللي فارقك وسابك بالوجع ده كله؟
الولد رفع عينه اللي كانت حمرا زي الدم من كتر البكا، وبصلي بنظرة كلها كسرة وخوف، وإيده اترعشت وهو بيشاور بصباعه الصغير على القبر اللي أنا لسه دافن فيه روحي.. قبر فريده مراتي.. وقال الجملة اللي خلت جسمي يتجمد في مكانه، والدم يهرب من عروقي
ده قبر أمي!!!!!! هي ماتت النهاردة؟
اتسمرت في مكاني. والأرض بدأت تلف بيا، وحسيت إن صدري بيتفرغ من الهوا. أمك مين؟! انا الزوج الاول في حياة فريده يبقى الولد ده يقصد ايه ؟؟
قام يمشي مسكت فيه بقوه وقلت..استنى هنا انت قولت ايه
الولد مسح دموعه بضهر ايده وقال…انا لازم امشي بابا
مستنيني قال لي متتأخرش
بابا؟؟؟
جسمي كله اتنفض ونطقت بالعافيه
وابوك ده مين …والاقيه فين ؟




