العزومة حكايات روماني مكرم 3

شهدت أيام عيد الفطر هدوءًا حذرًا يحمل في طياته ثقلاً شديدًا. انقضت أيام العيد الثلاثة دون أن تظهر نجوى في بيت الجدة، ودون أن تُسجل لها أي مكالمة أو زيارة مع أحد من أفراد العائلة. كان إسماعيل يحضر وحده برفقة طفلته “جنى”، ويحاول إظهار التماسك والابتسام أمام الجميع، لكن الحزن والشرود كانا واضحين في عينيه.
في اليوم الرابع من العيد، وبعد انتهائه، زارنا إسماعيل في منزلنا بدعوة من خالد. كانت جلسة رجال ونساء يسودها الحرص والشفافية. دخل إسماعيل وجلس معنا في الصالة، وبادر بتقديم العيدية للأولاد بحنان بالغ، متجنبًا فتح الموضوع حتى صببتُ الشاي وجلستُ بجانب خالد.

تنهد إسماعيل ووضع كوب الشاي أمامه، ثم قال بصوت مجهد: “أنا جاي النهاردة عشان أخفف من على قلبي، وعشان أستشيركم في خطوتي الجاية. نجوى بقالها أسبوع عند أهلها، وأبوها كلمني امبارح عشان نعدي القعدة ونقعد نتكلم.”

نظر خالد إليه باهتمام وقال: “وأنت رأيك إيه يا إسماعيل؟ إحنا مالناش مصلحة في خراب بيتك، وشهد الله إننا لا شمتانين ولا عايزين أذى. اللي يهمنا بيتك يفضل مفتوح وأولادك يتربوا بينكم.”

رد إسماعيل ونبرته تتأرجح بين الصرامة والحيرة: “أنا عارف يا خالد، وعارف إن هند بنت أصول وما تمنتش غير الخير. بس المشكلة مش في موقف العصير ولا في كعك العيد.. المشكلة إن أهل نجوى بيكبروا الموضوع. أبوها شايف إن أنا كسرتها لما مشيتها ليلة العيد، وعايزني أروح أعتذر لها قدام أهلها وأجيب لها ترضية، وكأن اللي حصل منها خلال الأيام اللي فاتت دي كلها ما كانش خطأ أصلاً!”

التفتُّ إلى إسماعيل وقلت بهدوء وثبات: “يا أبيه إسماعيل، الاعتذار مش عيب لما يكون في موضعه، بس لما يتقلب الاعتذار لوسيلة لتغطية الغلط، بيبقى شرعنة للمشكلة. نجوى زعلت لأنها تحست إن سيطرتها انكسرت، وإذا رحت اعتذرت من غير ما يتحط حد واضح للتعامل، هترجع أشد من الأول، والأزمة هتتكرر في أول عزومة أو تجمع جاي.”

أومأ إسماعيل برأسه موافقًا، واستطرد خالد قائلاً: “كلام هند صح. أنت تروح تقعد مع أبوها يا إسماعيل، بس بقلب قوي وعقل مفتوح. المباشرة والوضوح هما الحل. قول لأبوها إنك باقٍ على بنته وأم أولادك، بس في شروط للتعامل في بيت العيلة وفي بيتك: الاحترام المتبادل، عدم التدخل في أسلوب تربية أولاد غيرها، ومفيش حاجة اسمها طرد ضيف أو إهانة حد من العائلة تحت أي ظرف.”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *