العزومة حكايات روماني مكرم 3

ابتسمتُ لها ورددتُ: “منور بأهله يا نجوى، ربنا يديم الجمعة والخير بيننا.”

ورغم أن السكينة عادت إلى البيت وزال التوتر القريب، إلا أن الأيام القادمة كانت تحمل اختبارات واقعية جديدة للتأكد مما إذا كانت هذه التغيرات صامدة أمام مواقف الحياة اليومية المتقلبة، أم أنها مجرد سحابة تابعت مسارها لتفسح المجال لظروف أخرى.

مرت الأسابيع التالية لعشوة الصلح بسلام ظاهر، لكن السلام الذي يعقب العواصف العائلية يحتاج دائمًا إلى اختبار حقيقي ليثبت مدى صلابته. كان الصيف قد حلّ على القاهرة بلهيبه الخانق، وبدأت العائلة تتحدث عن التجمع السنوي في إحدى القرى الساحلية، وهو الموعد الذي ينتظره الأطفال من العام للعام، ويتشارك في تكاليفه ومصروفاته الجميع بحسب أصول العائلات.

كان القرار هذا العام هو استئجار شاليّه كبير بحديقة واسعة يتسع للجميع؛ الجدة، وبيت إسماعيل، وبيتنا. بالنسبة لي، كان الذهاب مع نجوى تحت سقف واحد لعدة أيام متواصلة يمثل التحدي الأكبر. فالمواقف العابرة في العزومات يمكن السيطرة عليها، أما المعيشة المشتركة وتفاصيل الأكل والشرب والمصروفات، فهي الأرض الخصبة التي تولد منها الخلافات عادةً.

منذ اليوم الأول للوصول إلى البحر، بدا أن نجوى تحاول جاهدة التكيف مع الوضع الجديد والتزام الهدوء. كانت تتجنب الاحتكاك المباشر، وتتعامل مع أبنائي بنوع من الحذر المتكلف. لكن طبيعة البشر لا تتغير بضغطة زر؛ فالتعالي والبحث عن المثالية المفرطة ظلا يتحينان الفرصة للظهور.

ظهرت أولى شرارات التوتر في اليوم الثالث مع ترتيب وجبات الطعام وتكاليف المشتريات. اتفقت أنا وخالد منذ البداية على تقاسم كل شيء بالنصف مع إسماعيل، لئلا يترك أحد مجالاً للحديث عن “من يدفع أكثر” أو “من يستغل الآخر”. ولكن نجوى، بحكم حبها للظهور والسيطرة، بدأت تشتري أصنافاً باهظة الثمن ومأكولات البحر الجاهزة وتطلب أدوات استهلاكية خاصة ببيتها فقط، ثم تصر على إدراجها ضمن الحساب المشترك للرحلة.

في أحد الأيام، وأثناء إعداد الغداء في المطبخ المفتوح المطل على الحديقة، كانت الجدة تجلس في الشرفة تراقب الأحفاد وهم يلعبون بالماء. دخلتُ المطبخ لأجهز بعض الأطباق الجانبية، فوجدت نجوى تقوم بتنظيم الثلاجة بطريقة توحي بالانزعاج الشديد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *