العزومة حكايات روماني مكرم 3

في مساء اليوم التالي، ذهب إسماعيل لمقابلة والد نجوى في منزلهم بالمهندسين. كانت القعدة مشحونة في بدايتها؛ حيث حاول والدها استغلال موقعه كأب للضغط على إسماعيل وإظهار نجوى بمظهر “الضحية” التي تعرضت للإهانة في ليلة العيد. لكن إسماعيل كان هذه المرة متسلحًا بوعي جديد وموقف ثابت لم يتزحزح.
شرح إسماعيل لوالدها تفاصيل تسلسل الأحداث بوضوح ودون انفعال: بداية من استقبالها المكفهر لعلبة الحلويات، ومرورًا بقسوتها مع الطفل بسبب العصير وتهديدها بالطرد، وصولاً إلى افتعالها مشكلة ليلة العيد حول لعب الأطفال. صادف أن والد نجوى رجل عاقل ومجرب، فرغم اندفاعه المبدئي بحكم عاطفة الأبوة، إلا أنه بدأ يستوعب أن ابنته بالفعل تجاوزت الحدود وأن صهرهم لم يظلمها أو يتجنى عليها.
دخلت نجوى الصالة أثناء الحديث، وكانت تتوقع أن تجد زوجها مكسورًا أو معتذرًا، لكنها صُدمت عندما سمعت والدها يلتفت إليها ويقول لها بصوت حاسم أمام زوجها: “أنا أديتك لراجل يصونك يا نجوى، مش عشان تتعالي على أهله. الضيف أمانة، وأقارب جوزك كرامتهم من كرامتك. اللي حكاه إسماعيل ده تصرفات ما ترضيش ربنا ولا ترضي أصول العائلات.”
تسمرت نجوى في مكانها، وشعرت لأول مرة أن الغطاء الذي كانت تستند عليه لفرض رأيها قد رفع عنها. حاول إسماعيل التلطف بها بعدها، متقدمًا بكلمات طيبة تعبر عن حرصه على بيته وأولاده، ولكنه كان حريصًا على ألا يتنازل عن النقاط الجوهرية التي تمس كرامة العائلة.
بعد نقاش طويل امتد لعدة ساعات، اتُّفق على عودة نجوى إلى بيتها، ولكن بشرط ضمني أن تبدأ الصفحة الجديدة بتصفية النفوس وإعادة بناء العلاقات على أسس متينة ومبنية على الاحترام والتواضع، وليس على فرض السيطرة والأنفة.
وفي نهاية الأسبوع، أقام إسماعيل عشاءً خفيفًا في منزله، وطلب منا ومن الجدة الحضور. رحبنا بالدعوة لنثبت أننا لا نحمل في قلوبنا أي ضغينة.
عندما دخلنا الشقة، كانت السجادة الجديدة التي أرسلناها تزين أرضية المطبخ بشكل متناسق. استقبلتنا نجوى عند الباب، وبدا على وجهها التغير والتواضع، وخلا أسلوبها من أسلوب الجفاء السابق. رحبت بي بشكل مباشر، وقالت بصوت هادئ وهي تنظر في عيني: “نورتينا يا هند.. البيت بيتكوا.”




