العزومة حكايات روماني مكرم 3

قالت نجوى دون أن تتطلع إليّ، وبنبرة عادت تحمل تلك المسحة القديمة من الاستعلاء: “هند.. يا ريت لما تجيبوا الفاكهة والعصائر للولاد، تحطوها في الرف السفلي بس. الرفوف اللي فوق أنا مخصصاها لأكل جنى وإسماعيل عشان نظامهم الغذائي، مش عايزة الكراكيب تلخبط الأكل.”
توقفتُ عما في يدي، ونظرتُ إليها بهدوء. كان يمكن لهذه الكلمة البسيطة “الكراكيب” أن تشعل أزمة جديدة لو تعاملتُ معها بانفعال، لكنني أدركت أن نجوى تختبر حدودي المرة الأخرى، لترى هل التزامي بالهدوء نابع من ضعف أم من عقلانية.
قلت لها بابتسامة متزنة وصوت خفيض كي لا أفسد راحة الجدة: “الثلاجة مساحتها واسعة وتسع أكلنا كلنا يا نجوى. وأكل ولادي مش كراكيب، دي فاكهة وخيرات ربنا زيك زينا بالضبط. إحنا مشاركين في المصاريف وفي المكان بالنصف، ومفيش رف باسم حد. لما تحبي تنظمي حاجة، استأذني أو قوليها بطريقة أبسط من كده، عشان الرحلة تفرّحنا كلنا.”
تسمرت نجوى مكانها وتغيرت ملامح وجهها. لم تكن تتوقع أن أرد في التو واللحظة دون غضب، بل بأصول ووضوح يقطعان الطريق على أي تصعيد. حاولت التدارك وقالت بتلعثم: “أنا ما قصديش حاجة وحشة.. أنا بس بحب النظام.”
رددتُ عليها بينما أضع طبق السلطة على الطاولة: “النظام حلو طبعاً، بس لما يكون بالذوق والعدل بين الكل، بيبقى أحلى.”
خرجتُ إلى الشرفة، وكانت الجدة قد لمحت الموقف من بعيد. أومأت لي برأسها بنظرة رضا تفهم منها كل شيء. لم تعد هناك حاجة لاستدعاء الرجال أو إحداث زوبعة؛ فقد أصبح واضحاً للجميع أن الحسم العاقل يضع حدوداً راقية تمنع أي تجاوز قبل أن يبدأ.
مساء ذلك اليوم، جمعنا إسماعيل وخالد في الحديقة للحديث عن مصاريف الرحلة. عندما طرح إسماعيل الفواتير، لاحظ خالد أن المبالغ أصبحت مرتفعة بغير المعتاد بسبب الطلبات الخاصة التي أضافتها نجوى.
قبل أن ينطق خالد بكلمة، بادر إسماعيل بنفسه وقال بوضوح أمام الجميع: “يا خالد، الفواتير دي فيها حاجات نجوى طلبتها لبيتها وصحتها بشكل خاص، دي مش محسوبة على الحساب المشترك. الحساب المشترك للمصنعيات والأكل الأساسي بس اللي كلينا منه، والفرق ده أنا دفعه من جيبي.”
حاولت نجوى الاعتراض بنظراتها، لكن إسماعيل لم يمنحها الفرصة. كان قد تعلم الدرس جيداً؛ فالعدل والشفافية هما الحصن الوحيد الذي يحمي علاقة الأخوة من السوس الذي قد ينخر فيها بسبب التجاوزات الصغيرة.



