العزومة حكايات روماني مكرم 3

مرت بقية أيام المصيف في أجواء من الانضباط والتفاهم الضمني. أدركت نجوى أخيراً أن المحاولات القديمة للسيطرة أو فرض الشروط لن تصمد أمام قوة الحق والأصول. وبدأت، ربما لأول مرة، تتعامل كعضو في العائلة وليس كقيم عليها.
وعندما حزمنا أمتعتنا للعودة إلى القاهرة، كانت أيدي الأطفال متماسكة وهم يودعون البحر، وكانت النظرات بيننا وبين بيت إسماعيل تحمل قدراً جديداً من الاحترام القائم على الحدود الواضحة.
لكن العودة إلى الشارع القاهري الصاحب، وضغوط الحياة اليومية، كانت تخبئ المفاجأة الأكبر؛ مفاجأة لم تكن في الحسبان وستضع العائلة بأكملها أمام اختبار إنساني صعب، لن تنفع معه الحسابات ولا الحدود، بل معدن النفوس الحقيقي.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
مع بداية فصل الخريف والعودة إلى روتين الحياة المزدحم في القاهرة، عادت الحياة لمجاريها الظاهرية. لكن الأقدار كانت تخبئ للعائلة إمتحاناً غير متوقع، إمتحاناً لا تُقاس فيه المواقف بأثاث مكسور أو عزومة بُثرت، بل بالوقوف الحقيقي في أوقات الشدة.
في منتصف أحد أسابيع شهر أكتوبر، وفي وقت متاخر من الليل، تلقت شقتي اتصالاً هاتفياً مفزعاً من إسماعيل. كان صوته يرتجف، والذعر يخنق نبراته وهو يقول لخالد: “نجوى تعبانة أوي يا خالد.. أغمى عليها فجأة ونقلناها المستشفى، والأطباء بيجهزوا لها غرفة عمليات فوراً بسبب انفجار مفاجئ في الزائدة الدودية وتسمم في الدم!”
لم نتردد لثانية واحدة. ألبستُ أطفالي سريعاً، وتركناهم في أمان عند إحدى الجارات المقربات، وانطلقنا أنا وخالد كالسهم نحو المستشفى المستهدف. عندما وصلنا، وجدنا إسماعيل يذرع الممر جيئة وذهاباً، والدماء قد جفت في عروقه من شدة الخوف، وطفلته الصغيرة “جنى” تبكي بحرقة في زاوية الانتظار، مرعوبة من منظار الأطباء وأضواء المستشفى البيضاء.
اقتربتُ فوراً من جنى، احتضنتها بقوة، وجلستُ على الأرض أهدئ من روعها ومسحتُ دموعها، بينما احتضن خالد أخاه الأكبر وسانده بروح الأخ الصادق التي لا تتغير.
امتعت ساعات العملية الجراحية كأنها دهور. وفي تلك اللحظات العصيبة، أدرك الجميع أن كل الخلافات السابقة حول السجاد، والحلويات، وأساليب التربية، والسيطرة، ما هي إلا قشور زائفة لا وزن لها أمام لحظة واحدة نلمس فيها خطر الفقد.





