سلفتي سكر حكايات روماني مكرم 2

سعاد، بقلبها الكبير وحسّها الفطري، لم تحتمل رؤية شريف يتآكل من الداخل. كانت تقول لي وهي تعد صينية بسبوسة بالمكسرات: “البيت ده ما يكملش فيه الضحك وشريف زعلان يا بت. الجدع صغر في عين نفسه، ولازم نرجّع له هيبته وفرحته، والداوي ما يجيش إلا من جنس الداء!”
بدأت سعاد خطتها بعيداً عن أعين الرجال. كانت تعرف “أم أمل”، وهي سيدة فاضلة من أصل طيب تعيش في الحي المباعد، ولديها ابنة اسمها “رضوى”—بنت أصول، خريجة دار علوم، هادئة الطباع، وعفيفة النفس، تعمل في مكتبة وأحوال أهلها معروفة بالستر والطيبة.
في يوم عطلة، أخذتني سعاد من إيدي وقالت بحماسها المعهود: “لبس نضيف يا حلوة، طالعين مشوار يجيب الأمل للبيت.” ذهبنا لزيارة أم أمل بحجة شراء كتب مستعملة والمجاملة. هناك، رأينا رضوى؛ كانت كالنسيم العليل، شتان بينها وبين غل نرمين وشرها. دخلت القهوة بكل أدب، ورحبت بنا بابتسامة صادقة أثلجت صدر سعاد.
غمزت لي سعاد وقالت بصوت خافت: “هي دي! دي اللي هترجع الضحكة لقلب شريف وتطرد نحس نرمين من الشارعة كلها!”
لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورد. عندما طرحت سعاد الفكرة على شريف في لمة العيلة، قوبل طلبها برفض قاطع وصراخ من شريف: “أنا قفلت الباب ده للأبد يا سعاد! مش هتدبس في جوازة تاني ولا عاوز وجع دماغ ولا حريم تدخل بيتنا تهدّه!”
هنا وقفت سعاد أمامه ووضعت يديها في خصرها، ونظرت له بعين مليئة بالتحدي والحب: “جرى إيه يا شريف؟ بقى حتة بت خاينة تخليك تخاف من الدنيا كلها؟ هو أنت علشان اتكويت من نار تسيب البرد يموتك؟ البت دي بنت أصول، ولو ما جيتش معايا تشوفها، مش هدخل لك البيت ده تاني ولا هتشوف زغروطة مني طول ما أنا حية!”
تحت ضغط سعاد وحكم حمايا الذي بارك الخطوة، وافق شريف على الذهاب للرؤية الشرعية وهو مكره. ودخل البيت والكسرة تعلو وجهه، لكن ما إن جلس ورأى أدب رضوى وهدوءها، ورأى كيف تتحدث بعقل ووقار دون تصنع أو تملق، حتى بدأت جبال الثلج في قلبه تذوب شيئاً فشيئاً.
سبحان من يغير الأحوال؛ انشرح صدر شريف، ووافقت العائلتان، وتمت الخطبة في أجواء مليئة بالدموع والفرح. وكانت سعاد هي الدينامو الذي يحرك كل شيء؛ اشترت الجهاز مع العروس، ونظمت كل صغيرة وكبيرة في الشقة الجديدة لتتأكد أنها تخلو من أي ذكرى قديمة.




