سلفتي سكر حكايات روماني مكرم 2

قالت لي وهي تربط شالها على رأسها بقوة: “جرت إيه يا بت؟ هتنكسروا من أول قلم؟ البيت ده ما يقعش طول ما فيه نفس يتردد! الحق معانا، واللي نجانا من كيد نرمين هينجينا من غل ابن عمها.”
بدأت سعاد تتحرك كالقائد في ميدان المعركة. لم تنتظر الرجال حتى يجدوا حلاً، بل أخذت ابنتها الكبيرة وابنها، وبدأت تتراجع في دفاتر الورشة القديمة وفواتير الشراء التي كانت تحتفظ بها في الصناديق الخشبية أعلى الشقة. ظلت تسهر الليالي، تقلب الورقة تلو الورقة، تقارن التواريخ والأختام وأرقام الشحنات التي خرجت من الورشة إلى الشركة.
وفي الفجر، وبعد ثلاثة أيام من البحث المجهد وسط الأوراق والأتربة، صرخت ابنة سعاد بصوت هز الشقة: “يا أمي! تعالي شوف البوصلة دي!”
وجدت سعاد أصل وصل استلام البضاعة المكتوب بخط يد ابن عم نرمين نفسه، ومختوماً بختم الشركة القديم قبل التعديل، وفيه إقرار واضح يستلم البضائع كاملة وبالمواصفات المطلوبة ودون أي شروط جزائية! كان هذا الوصل هو القشة التي ستكسر ظهر التزوير والبلاغ الكيدي بالكامل.
في صباح اليوم التالي، يوم الجلسة الفاصلة في النيابة، أصرت سعاد على الذهاب مع حمايا والرجال. وقفت أمام القاعة بشموخ وهي تمسك حقيبتها التي تضم المستند القاطع. وعندما خرج المحامي يبشرهم بصدور قرار النيابة بحفظ البلاغ الكيدي وتحويل ابن عم نرمين للتحقيق بتهمة التزوير والبلاغ الكاذب، انهارت سنوات التهديد في لحظة واحدة.
عادت العائلة إلى البيت يتقدمها حمايا وهو يمشي بمشية مرفوعة الرأس، وسلفي الكبير وشريف يحملان سعاد على الأعناق في مدخل العمارة.
أخذت سعاد الشال من على رأسها، وقفت في نص الصالة، ولفت حول نفسها وهي تضحك من أعماق قلبها، ثم أطلقت زغروطة زلزلت الحي كله:
“لولولولولولولولولوي! يترد الكيد في نحر صاحبه، ويفضل بيتنا عامر بعزنا وضحكتنا اللي ملهاش مثيل!”
تعالت الضحكات واختلطت دموع الفرح بالدعوات، وعادت البهجة ترقص في زوايا البيت، غير أن نظرات حمايا نحو الباب الخارجي كانت تشير إلى أن هدير العواصف لم ينتهِ بعد، وأن الأيام ما زالت تحتفظ بأحداث أخرى لهذه العائلة.
بعد انقشاع غمة القضية الكيدية وبرء ساحة الورشة، ساد البيت هدوء حذر تشوبه فرحة منقوصة. شريف، رغم استرداد كرامته وتبرئة اسمه، كان يسير بيننا كالجثة الهامدة؛ كسرة النفس والخذلان من تجربة زواجه السابقة تركت في قلبه جرحاً غائراً جعلته ينطوي على نفسه، يقضي يومه بين الورشة وغرفته المغلقة، رافضاً الحديث أو المشاركة في أي لمة عائلية.





