انا مدرسه انجليزي وليه اسم وبشتغل دروس وربنا كرمنى واشتريت جمب وفتحتها مركز صغير مكنش بيفرق معايا فلوس جوزى او شغله وكنت شايله البيت من كل حاجه وانا جايه من المدرسة كنت اجيب الطلبات اللى محتجاها وانا جايه معايا واجهز الأكل واخلص اروح المركز وولادى معايا فى يوم اتعرض عليه من زميلتى اننا نشترى مركز تعليمى جاهز وكبير وندخل شركاء بالنص وقتها وافقت وقررت ابيع لكن الفلوس قصرت معايا فى ٥٠ الف جنيه وقتها قولت استلفهم من جمال فعلاً اليوم ده خلصت كل حاجه بدرى واتفقت مع الراجل واديته العربون انا وزميلتى وروحت البيت حضرت العشا واستنيت جوزى لما يرجع بليل من شغله دخل جوزى وقعد وهو بياكل طلبت منه وشرحت له إنها فرصة عمري وإن المركز ده هينقلنا في حتة تانية خالص، وإن الفلوس دي دين في رقبتي هرده أول ما المركز الجديد يشتغل ويجيب مصاريفه. جمال ساب المعلقة من إيده وبصلي بنظرة غريبة مكنتش فاهماها، لا هي غضب ولا هي رفض، كانت نظرة استعلاء باردة كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين. مسح بؤه على مهل وقال لي: «والله يا هناء؟ هو انتِ افتكرتي فجأة إن ليكي جوز ترجعي له؟ طول السنين اللي فاتت وانتي عايشة دور الراجل والست، بتدفعي وتشتري وتجهزي ولا كأنك متجوزة، وجاية دلوقتي تفتكريني في خمسين ألف جنيه؟» الكلام نزل عليا زي المية الساقعة، حاولت ألطف الجو وقولت له إن عمري ما قصدت أقلل منه وإن شيلتي للبيت كانت عشان نخفف عن بعض، بس هو كان باين مبيت النية. قالي بكل برود: «أنا معايا المبلغ، ومش هسلفهولك.. هدخل بيه شريك، بس المركز والورق يتكتبوا باسمي أنا». حسيت إن الأرض بتلف بيا. فلوس شقتي وشقايا سنين وتعب مدرستي وعيالي اللي بيتربوا في مراكز الدروس، عايز يطير نصه بجرة قلم ويبقى المركز كله باسمه هو قصاد مبلغ صغير أنا شيلت أضعافه في البيت ومصاريف الأولاد. لما رفضت وبدأت أعيط، وقف وقال لي بمنتهى القسوة: «يبقى مفيش مليم هيطلع، وخلي بقى شطارتك تنفعك، واعرفي إن كل اللي بنيتيه ممكن يتهد لو مسمعتيش كلامي». وقتها حسيت أن كل تعبى معاه راح فى الهوا وبدأت اراجع نفسى مصاريف البيت والولاد حتى لبسهم خروجاتهم كل حاجه انا بجبها وقت ما جددت البيت برضوا انا اللى جبت كل حاجه سالت نفسى هو دوره ايه فى حياتى دخلت الاوضه اللى قاعد فيها مره تانيه بس اللى سمعته صدمنى صدمه عمرى دخلت الأوضة بشويش والتلفون كان على ودنه، وصوته اللي كان دايماً وبارد بقى فيه نبرة شماتة وتخطيط عمري ما سمعتها منه. كان بيكلم أخته وبيقولها بالحرف: «خلاص يا حنان، السمكة وقعت في الشبكة.. باعت شقتها القديمة وخلاص حطت العربون مع صاحبتها، يعني لو الموقف زنق معاها وماديتهاش الخمسين ألف، العربون هيروح عليها والصفقة تضيع، وهتضطر تبيع النص التاني أو تكتبلي المركز بالكامل عشان أنقذها.. السنين اللي عاشت فيها تعمل عليا البرنسيسة وتصرف وتشيلي من حساباتها هتتدفع تمنها غالي، والمركز ده هيكون باسمي، ومن بكرة المصاريف اللي كانت بتدفعها للبيت وللعيال هترجع تدفعها وهي ساكتة وتعرف إن الله حق». الدم جمّد في عروقي.. الكلام كان بيخرج منه زي ، كأنه مكنش عايش معايا تحت سقف واحد، كأنه كان عدو متربص بيا بيحسبلي كل قرش وكل خطوة نجاح، ومستني اللحظة اللي أقع فيها عشان يدوس على وشي. الوقفة دي كشفتلي الحقيقة العريضة اللي كنت عامية عنها سنين: جمال مكنش سايبني أصرف عشان يسندني أو يخفف عليا، جمال كان مستغلني، وكان حاسس بالنقص من نجاحي واستقلالي المادي، وبدل ما يجتهد عشان يبقى قدي، قرر يستنى لحظة ضعفي عشان يكسرني وياخد تعب عمري. رجعت لورا ببطء قبل ما يحس بيا، قعدت في الصالة والدموع اللي كانت في عيني جفت تماماً.. الرعب والكسرة تحولوا في لحظة لشرار ونار جواه. عرفت إن البكاء مش هيحل، وإن الضعف قدام راجل بالنذالة دي معناه إني بوقع نفسي وولادي في الحاوية. زميلتي كانت مستنية مني مكالمة تأكيد، والعربون اللي اندفع كان تعب سنين ومقدرش أفرط فيه، ولو خسرت الفرصة دي هفضل طول عمري تحته وتحت رحمته. أول حاجة عملتها إني مسكت تلفوني واتصلت بزميلتي من غير ما أحسسه بأي حاجة، طلبت منها تأجل معاد كتب العقود النهائي يومين بحجة إن المأذون أو المحامي معطلنا، وبعدها قعدت أراجع حساباتي ببرود تام. جمال كان فاكر إني ماليش حد، فاكر إن كل علاقاتي محصورة في المدرسة والمركز، وميعرفش إن شغل الدروس والسنوات اللي فاتت عملتلي اسم وشبكة معارف تسند جبل. تاني يوم الصبح، قمت عملت الفطار للعيال ونزلتهم مدرستهم، وخرجت من البيت كأني رايحة شغلي عادي، لكن رجلي وطأت مكان تاني خالص.. رحت لواحد من أولياء أمور طلبتي، راجل أعمال كبير ووالد طالبة عندي من أشطر البنات اللي أسستهم بنفسي وكان دايماً بيقدرني وبيعتبرني صاحب فضل على بنته. طلبت أقابله في مكتبه، ولأول مرة في حياتي حكيت لحد عن ظروفي، بس حكيت بذكاء التجارة مش بضعف الست.. عرضت عليه يدخل معايا شريك بالـ ٥٠ ألف جنيه، قصاد نسبة عادلة ومحدودة في المركز الجديد، أو يديهملي كقرض بضمان إيصالات أمانة وشغل المركز القديم بتاعي. الراجل بصلي باحترام شديد وقال لي: «يا أستاذة هناء، إنتي اسمك لوحده في السوق يساوي ملايين، وبنتك بفضلك بقت الأولى على المحافظة.. الـ ٥٠ ألف دول ينزلوا في حسابك فوراً، ولا شيكات ولا إيصالات، اعتبريهم استثمار معايا في مركزك الجديد والنسبة اللي تشوفيها صح اعمليها». في لحظتها، حسيت إن ربنا بيردلي اعتباري وبيعرفني إن الشرف والأمانة في شغلي هما اللي أنقذوني مش الفلوس. أخدت المبلغ، وخلصت إجراءات الشراكة مع زميلتي، والمركز بقى باسمنا إحنا الاتنين بالنصف، والورق اتوثق في الشهر العقاري رسمي، وكل ده بيحصل وجمال فاكر إني قاعدة في البيت بتعصر من الهم وبدور على طريقة أتحايل بيها عليه عشان يديني الفلوس. رجعت البيت بليل، كان قاعد في الصالة حاطط رجل على رجل ومستني لحظة الانكسار، مستني أجي أترجاه وأبوس أيده عشان يكتب المركز باسمه ويدفع الخمسين ألف. قعدت قدامه بكل هدوء، حطيت شنطتي على الترابيزة، وبصلته بنظرة أبرد من نظرته بكتير، وطلعت من الشنطة نسخة العقود التلغرافية الموثقة للمركز الجديد. جمال بص للورق باستغراب، ومسك العقود يقلب فيها وهو مش مصدق عينيه، وش ألوانه اتغيرت، والدم هرب من عروقه لما شاف اسمي واسم زميلتي فقط على الأوراق والختم الرسمي موجود، وشاف عقد الملكية النهائي للسنتر الكبير. رفع عينه فيا بصدمة وقال لي بصوت مبحوح: «أنتي جبتي الفلوس منين؟ وعملتي ده إزاي من غير ما ترجعيلي؟» قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينه وقالتله: «جبتها من اسمي وشقايا وتعب السنين اللي كنت فاكر إنك بتكسرني بيه.. جبتها من الناس اللي قدرت قيمتي لما أنت استخصرت فيا كلمة حلوة ومساندة في وقت شدة. المركز اتكتب خلاص يا جمال، ومن النهاردة، زي ما عرفت طريق شغلي ونجاحي لوحدي، هتعرف أنت كمان طريق مصاريف بيتك وعيالك اللي نسيتهم من سنين.. اللي فات حمادة، واللقطة اللي جاية دي حاجة تانية خالص». جمال قام وقف من طوله، العقود كانت بتترعش في إيده وشكله بقى زي اللي أخد قلم على وشه صحاه من وهم كبير كان عايش فيه. الفكرة نفسها كانت صدمة ليه؛ الست اللي كان فاكر إنه حاصرها في خانة اليك، واللي حاطط في حسابه إنها هترجع له مقهورة وتبوس إيده عشان ينقذها، وقفت قدامه وهي شايلة نجاحها في إيدها ومسحت بيه كل مخططاته في لحظة. قرب مني بغضب وحاول يمسكني من دراعي وهو بيزعق بصوت مهزوز: «إنتي بتستغفليني يا هناء؟ بتخرجي من ورايا وتعملي صفقات وتدخلي ناس غريبة ما بيننا؟ طلعتي منين بالفلوس دي؟ مين اللي أداكي الـ ٥٠ ألف جنيه في أربع وعشرين ساعة؟» شديت دراعي منه بمنتهى القوة والجمود، وربعت إيدي وبصيت له بثبات عمري ما حسيته قبل كده: «إياك تلمسني تاني يا جمال، والناس الغريبة اللي بتتكلم عنهم دول هما اللي قدروا اسم أستاذة هناء اللي أنت عشت سنين بتاكل في خيرها وتستقل بيها. المبلغ ده أخدته بشرفي وباسمي وبشغلي اللي أنت كنت فاكره مالوش قيمة.. الراجل يديني الملايين وهو مطمن، عشان عارف إن كلمة هناء العوضي بضمان جبل، مش زي ناس عايشين معايا في بيت واحد وبياكلوا من شقايا وبيخططوا من ورايا إزاي يكتفوني ويبيعوني». أول ما سمع كلمة “بيخططوا من ورايا”، وش جمال اتقلب أصفر زي الورق والميه نشفت في زوره. أدرك في ثانية إني سمعت مكالمته مع أخته، وعرف إن الكارت الأخير اللي كان بيلعب بيه في الخفاء اتكشف واتحرق. قعد على الكرسي بذهول، وحاول يجمع كلامه أو يداري خيبته، بس اللسان اللي كان بينقط سم وبرود مبارح كان عاجز تماماً إنه يدافع عن نفسه. سبته واقف في الصالة مش فاهم أولها من أخرها، ودخلت أوضتي قفلتها بالمفتاح، ولأول مرة من سنين أنام ونفسي مرتاحة، حاسة إني أخدت حقي وأثبت لنفسي قبل أي حد إني مش ضعيفة ولا محتاجة لضلمة يستقوى عليا. من تاني يوم الصبح، حياتنا اتغيرت ١٨٠ درجة. أنا مكنتش ناوية أعدي الموضوع كأنه مجرد خناقة وتعدي، القصة بقت قصة وجود وكرامة. الصبح بدري، قبل ما أنزل المركز الجديد، جمعت ورقة وقلم وحطيتهم على السفيرة قدامه وهو بياكل. بص للورقة باستغراب وقالي: «إيه ده كمان؟» رديت بمنتهى الجدية والهدوء: «دي قايمة بمتطلبات البيت ومصاريف الولاد الشهرية.. إيجار، فواتير ميه ونور وغاز، أكل وشرب، دروس العيال ومصاريف مدارسهم، ودروس السباحة بتاعتهم. السنين اللي فاتت أنا كنت بشيل ده كله بحجة إني بساعد، بس من النهاردة أنا طلقت دور “الراجل والست” اللي أنت عيرتني بيه.. فلوسي وشقايا من السنتر الجديد والقديم رايحين لحسابي في البنك ولتطوير شغلي، وأنت كراجل البيت مكلف رسمياً بالإنفاق على بيتك وعيالك بالحرف، والورقة دي هتوصلك كل يوم واحد في الشهر». جمال اتجنن ووقف يصرخ: «أنتي اتجننتي يا هناء؟ أنتي فاكرة نفسك إيه؟ أنتي فاكرة إن عشان ربنا كرمك بمركز هتتنسري عليا؟ الماهية اللي باخدها من شغلي مبتغطيش كل ده! إنتي كنتي بتشيلي النص وأنا النص!» بتسمت بابتسامة باردة جداً وقربت منه: «لا يا جمال، أنا مكنتش بشيل النص، أنا كنت بشيل الكول.. أنت كنت بتاخد مرتبك وتحطه في حسابك أو تصرفه على أهلك وعربيتك، وتسبني أنا أدفع كل قرش من لحم حي. لما جيت أطلب منك مساندة في لحظة، استغليت ضعفي وكنت عايز تاكل تعب عمري وتكتبه باسمك. يبقى خلاص، كل واحد يشيل شيلته.. تقدر توريني شطارتك كرجل بيت وتصرف على ولادك، وإلا بقى السوبر ماركت والمدارس هيعرفوا إن أستاذ جمال هو اللي يدفع، ومش هيدخل قرش من جيبي في البيت ده تاني». سبته ونزلت، وسبت ورايا نار بتاكل في أعصابه. السنتر الجديد اتفتح، وكان تحفة معمارية وتعليمية، الاسم بتاعي مع اسم زميلتي عمل ضجة كبيرة في المنطقة، والطلاب بدأوا يحجزوا بأعداد مهولة، الدخل اللي كان بيدخل لي في شهر بقيت أعمله في أسبوع، ورجلي بقت ثقيلة في السوق والكل بيعملي ألف حساب. لكن جمال مكنش يسكت، لما لقى إن التهديد المادي مانفعش، وإن مصاريف البيت بدأت تضغط عليه بجد واضطر يسحب من مدخراته اللي كان شايلها على قلبو، بدأ يلعب لعبة أحقر وأذكى.. بدأ يقلب العيال عليا، وبدأ يستغل غيابي في المركز عشان يحسسهم إن أمهم باعتهم وفضلت الفلوس والشهرة عليهم. في يوم رجعت بالليل متأخر بعد يوم شغل شاق جداً، لقيت ابني الكبير “أحمد” قاعد في الصالة ومستنيني، وعلى وشه علامات غضب وتأثر مش طبيعية. أول ما دخلت، وقف قدامي وقالي بنبرة فيها عتاب جاف: «هو أنتي يا ماما خلاص مابقاش يهمك غير المركز والفلوس؟ بابا هو اللي بياكلنا وهو اللي بيقعد معانا، وأنتي طول النهار برة وسايبانا.. بابا قالي إنك بقيتي مغرورة وإن السنتر الجديد ده أهم عندك مننا كلنا!». الكلام نزل عليا زي الخنجر، المرة دي مكنتش من جمال، الصدمة كانت إن الشجرة اللي سقيتها بدمي وتدريبي وتلخيصاتي وسهري جنبهم طول السنين اللي فاتت، جمال قدر في كام أسبوع يزرع فيها الشك ناحيتي، وعرفت إن الحرب كده اتنقلت لمرحلة ثانية وأخطر بكثير.. مرحلة بيحاول فيها مني ولادي بعد ما فشل يسرق تعبي.