العزومة حكايات روماني مكرم 2

في منزل الجدة “أم خالد”، كانت أجواء ما قبل الإفطار محملة بتوتر يسري في الهواء كتيار كهربائي خفي. الشقة القديمة في حظر بحري بالقاهرة، برائحة البخور الشامي التي تفوح منها وعقود الزينة الرمضانية المعلقة في الصالة، لم تستطع أن تلطف من حدة النظرات المتناثرة بين الحاضرين.
كانت نجوى تجلس على أريكة الخيزران الرئيسية بجانب الحماة، تتصنع الانكسار والحزن، وتضع ضغاطة طبية على رأسها وكأنها تعاني من صداع نصفي حاد جراء “الصدمة”. في المقابل، دخل خالد وأنا ومعنا أطفالنا الثلاثة بثبات، نحمل معنا هيبة صاحب الحق الذي لا يخشى المواجهة، ولكنه يحترم المكان وصاحبته.

سلمنا على الجدة التي ردت السلام بجفاف واضح، ينم عن تأثرها الشديد برواية نجوى التي سبقتنا بساعات. وقبل أن نلس على المقاعد المجاورة، بادرت الجدة بالحديث بصوت يحمل نبرة العتاب القاسي: “أهلاً يا خالد.. أهلاً يا هند. نورتوا. كنت أتمنى تدفعوا الباب بإبتسامة وسط إخواتكم، مش تيجوا بعد ما عملتوا مشكلة هزت البيت كله وجايين تكملوا على قعدتنا.”

تطلع خالد إلى أمه بوقار، ثم جلس أمامهما على المقعد الخشبي المتقابل وقال بهدوء: “يا أمي، إحنا جينا النهاردة عشان خاطرك إنتي بالذات. عشان نسمعك الحقيقة من غير تزويق ولا ادعاء مظلومية. اللي اتقالك عن اللي حصل في بيت إسماعيل ناقص، ومقلوب رأسًا على عقب.”

تحركت نجوى في جلسة حادة وقالت بصوت متصنع الأنين: “مقلوب إيه يا خالد؟ هو العصير اللي أغرق سجادتي الاستيراد كان وهم؟ ولا صراخ هند في وشي في بيتي ومطبخي كان خيال؟ أنا اللي اتهنت في بيتي قدام جوزي، والسجادة اتدمرت، وعزومتي اللي تعبت فيها من الفجر باظت!”

التفتُّ إليها بثبات، ولأول مرة لم أسمح لنفسي بالصمت أو الانسحاب كما أفعل عادة تحاشياً للمشاكل. قلت بصوت واضح ونبرة هادئة هزت أركان الصالة: “يا نجوى، العصير وقع.. دي حقيقة محدش نكرها، والولد طفل عنده 7 سنين اتكعبل وهو بيلعب. لكن الحقيقة اللي نسيتي تقوليها لطنط هي إنك استقبلتينا من الباب بنظرة قرف من علبة الحلويات اللي جايبينها، وقلتي بكسرة عين ‘إحنا مانعين السكر’. الحقيقة إنك رفضتي مساعدتي مرتين بأسلوب يقلل مني، والحقيقة الأكبر إنك مسكتي ابني من دراعه بعنف وصصرختي في وش طفل رعيته وهنتيه، وساعتها بس أنا اتدخلت عشان أحمي ابني، مش عشان أغلط فيكي.”

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *