العزومة حكايات روماني مكرم 2

توقف الحديث في الصالة تماماً. نظر إسماعيل إلى ابنه وابنته ثم إلى أمه، وظهرت على وجهه علامات الإرهاق الشديد. وضع كوب الشاي على الطاولة وقام ببطء نحو الغرفة، ومشى خالد خلفه بهدوء حتى لا تتفاقم الأمور وتخرج عن السيطرة في بيت أمهما.
في الغرفة، كانت نجوى تجمع حقيبتها اليدوية وتضع فيها بعض أغراضها الشخصية وهي تبكي بحرقة، لكنها لم تكن دموع ندم، بل كانت دموع كبرياء جريح. عند دخول إسماعيل وخالد، التفتت إليهما وقالت بنبرة حادة يكسوها الخذلان: “إنت كسرتني قدام أهلك يا إسماعيل.. وقفت قدام أمك وأخوك ومراته وطلعتني أنا الغلطانة والمفترية! بعد السنين دي كلها تبيعني عشان سجادة وعصير؟”
وقف إسماعيل أمامها بثبات، وقال بصوت خفيض ولكن صارم: “أنا ما بعتكِش يا نجوى، أنا بعت الغرور والتكبر اللي سيطروا عليكي. إنتي بقالك سنين بتتعاملي مع الناس ومع أهلي بمنطق الأفضلية والسيطرة، وكلنا بنعدي ونقول معلش عشان خاطري وعشان البيت يكمل. لكن توصل بيكي الدناءة إنك تطردي أخويا وعيلته في رمضان؟ وتيجي تتبلي عليهم قدام أمي؟ دي مش مجرد عصبيّة، دي قسوة قلب أنا ما أقدرش أقبلها على نفسي ولا على عيلتي.”
تدخل خالد محاولاً التهدئة وقال: “يا مدام نجوى، إحنا مش جايين نشمت ولا نزيد النار حطب. الموقف عدى وإحنا قبلنا اعتذارك، ومفيش داعي للمكابرة وتسيب البيت وتكبري الموضوع أكتر. البيت بيتكم والأولاد مالهمش ذنب في المشاكل دي.”
لكن نجوى نظرت إلى خالد بغضب مكتوم وقالت: “إنتوا فاكرين إنكم لما شريتوا سجادة وجبتوا شركة تنظيف إنتوا كده أصحاب فضل؟ أنا مش محتاجة سجادكم ولا تنظيفكم! أنا مشكلتي إن كرامتي أتهانت، وجوزي اللي المفروض ضهري وقف ضدّي قدام مرتك!”
هنا شعرت أن دخولي الغرفة أصبح ضرورياً حتى لا ينزلق الحديث إلى منحنى أسوأ. وقفت على باب الغرفة وقلت بوضوح: “يا نجوى، محدش جه على كرامتك غير تصرفاتك. لما قفلتي باب مطبخك في وشي واستقبلتي هدية خطوة رجلينا بجفاء، إنتي اللي ابتديتي بالتقليل. ولما ابني أخطأ -وهو طفل- مسكتيه بقسوة وكان ممكن تكتفي باللفت والتعليم.. الكرامة مش إننا نغلط ونستنى الناس تعتذر لنا، الكرامة إننا نعرف حدنا ونحترم غيرنا عشان يُحترم وجودنا.”



