العزومة حكايات روماني مكرم 2

التفتت الجدة إلى خالد وإليّ، ومدت يدها لي، فاقتربت منها وبوست يدها ورأسها. قالت الجدة ونبرتها مليئة بالحنان والاعتذار: “سامحني يا خالد يا بني، حقك عليا. وحقك عليا يا هند، إنتي بنت أصول وما صدرش منك غير كل خير، وعارفة إنك دخلتي مطبخها بنية صافية عشان تساعديها.”
نظر خالد إلى أخيه إسماعيل، ثم إلى أمه، وشعرت بأن جبل التوتر الذي كان يحمله على كتفيه بدأ يذوب. قال خالد: “حقك على رأسنا يا أمي، وإحنا مش زعلانين منك ولا من إسماعيل. إسماعيل أخويا الكبير وسندي في الدنيا، واللي حصل مش هيغير مكانته عندي. بس كان لازم الحدود تتوضح.”
في تلك اللحظة، رفعت نجوى رأسها، وعيناها تدوران بين الحاضرين. شعرت ولأول مرة أن السيطرة المطلقة التي كانت تمارسها قد انكسرت، وأن أسلوبها المتسلط لم يعد ينفع مع عائلة قررت أن تضع لكرامتها خطاً أحمر. وقفت ببطء، وقالت بصوت خافت ومكسور: “أنا أسفة يا جماعة.. يمكن فعلاً أعصابي خانتني، والموقف كان أكبر من طاقتي.”
كان هذا الاعتذار البسيط، رغم قلته، نصراً كبيراً للحق ولإعادة التوازن داخل هذه العائلة.
انطلق أذان المغرب في تلك الليلة من مأذنة المسجد الرفاعي القريب، فتجمعت العائلة كلها على سفرة واحدة كبيرة في منزل الجدة. جلس الأطفال يضحكون سوياً، بما فيهم ياسين وابنة عمه، يتبادلون العصير والحلويات دون خوف أو قيود.
تنفسنا الصعداء جميعاً، وتأكدت في تلك الليلة أن المواقف الصعبة، رغم مرارتها، هي الوحيدة الكفيلة بإظهار معادن الناس، وأن الكرامة التي نتمسك بها بحكمة وأصول لا بد أن تفرض احترامها على الجميع في النهاية.
على تلك السفرة الرمضانية الدافئة في بيت الجدة، بدا أن المياه عادت إلى مجاريها ظاهريًا، لكن المشاعر التي جُرِحت لا تلتئم بسرعة بمجرد اعتذار مقتضب فرضته الظروف. كانت نجوى تتناول طعامها بصمت غير معتاد، تنظر إلى الأطباق بنظرات شاردة، بينما يتبادل خالد وإسماعيل أطراف الحديث حول العمل وشؤون الحياة، محاولين ردم الفجوة التي أحدثتها أزمة الأمس.
بعد الإفطار، وبينما كنا نرتشف الشاي في الصالة، استأذنت نجوى ودخلت إلى إحدى الغرف الداخلية بحجة أنها تريد أن ترتاح قليلاً من أثر الصداع. لم يمر الكثير من الوقت حتى خرجت ابنتها الصغيرة “جنى” تجري نحو إسماعيل وهي تحمل هاتف أمها، وقالت ببراءة الأطفال: “بابا.. ماما بتعيط جوه وبتقول إنها ماشية تروح بيت أهلها.”




