حكايات مني السيد 3

— «تعرفي عنوانهم فين يا حاجة؟ أرجوكي!» قلتها وأنا برجف وببوس إيدها.

— «ما أعرفش ولا عايزة أعرف أقولك.. هي حذرتنا كلنا وقالت لو جه راجل لابس نضيف يسأل عليا أو على أبويا، قولوا له إننا مشينا وما تدوهاش عنواننا.. وقالت جملة غريبة كدة: “قولوا له يتفكر المية جنيه والمصحة، وينسى إن كان له أب أو ست ناديفة في حياته”.»

نزلت على ركبتي في الطين قدام باب الأوضة الصاج. بكيت زي العيل الصغير اللي ضاع من أمه في المولد. الشارع كله كان بيتفرج عليا، الراجل اللي كان معاه ملايين وراكب أحدث موديل عربية، قاعد في الطين بيترجى خبر عن الست اللي كان بيرمي لها الفلوس من الشباك.

عدت الشهور..

اشتغلت ورنيش جزم في شوارع الجيزة، وبعدها اشتغلت حمال خشبي في ورش صغيرة في أطراف دمياط، عشان أقدر آكل لقمة حلال وما أمدش إيدي لحد. كل يوم بالليل، كنت بقعد على رصيف القهوة، وأطلع الورقة المتين جنيه اللي ندى سابتها لي في النيابة مع المحامي.. ورقة مكمشة ومبتلة بدفء دوا أبويا، كنت ببص لها وأبكي.

وفي يوم من أيام الشتا، وأنا شايل لوح خشب ثقيل على ضهري في شارع جانبي بمدينة نصر بالقاهرة، لمحت كشك صغير مكتوب عليه “مكتبة ومستلزمات طبية”.

جوة الكشك، كانت ندى..

لابسة خمار نضيف، وشها مشرق ونور الرضا مالي ملامحها. وكانت بتضحك وهي بتقدم علبة دوا لزبون.

وجنب الكشك، على كرسي متحرك في الشمس، كان قاعد الحاج فاروق!

كان لابس جلابية بيضاء نضيفة، ومسند رأسه وبيسمع راديو صغير جنب أذنه.

قلبي دق بسرعة الصاعقة. وقع لوح الخشب من على ضهري على الأرض. قربت بخطوات بطيئة ومترددة، دموعي مغرقة وشي..

أبويا لف رأسه ببطء بالكرسي المتحرك.. وعينيه جت في عيني!

أبويا ما صرخوش، ولا اترعب، ولا اهتز.. بص لي بنظرة عميقة، حزينة، بس فيها تسليم كامل.

ندى لمحتني وهي بتطلع الباقي للزبون. الابتسامة اختفت من على وشها ببطء، وحلت محلها نظرة ثبات ووقار هزت كياني.
قربت من الكشك، وشفايفي بترتعش:

— «ندى.. يابا..»

مقالات ذات صلة

حكايات امانى السيد 2
منذ ساعتين

حكايات امانى السيد 1
منذ ساعتين

حكايات منى 2
منذ 3 ساعات

حكايات منى1
منذ 3 ساعات
ندى خرجت من الكشك، وقفت بيني وبين الكرسي المتحرك بتاع أبويا، وقالت بصوت هادي ومفيش فيه أي ذرة كره، بس مليان حدود حاسمة زي الجبل:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *