حماتي حكايات روماني مكرم 3

الدكاترة كانوا داخلين طالعين بيجروا، والمغسلة وغسيل المعدة شغال، والجو كان يتكتك من الخوف. الظابط بتاع المستشفى قرب من يونس واداله جواب مقفول بدمها، وقال بحزم: “المريضة سابت الجواب ده قبل ما تفقد الوعي، والمحضر اتفتح بإنها محاولة انتحار بمادة سامة.”
“لو مت يا يونس، فدمي في رقبة حور! هي اللي كرهتك فيا، وهي اللي خلت مجدي ينقلب عليا، وهي اللي خلتني أعيش مكسورة ومطرودة قدام الشارع والعيلة. أنا مش هعيش وأشوفك في حضنها وهي منتصرة عليا. يا تطلقها وتغسل عاري، يا تمشي في جنازتي وأنت مغضوب عليك ليوم الدين.”
يونس قرأ الجواب، ووقع على الأرض في الصالة، بيشهق بحرقة ويدق رأسه في الحيطة: “ليه يا أمي؟ ليه عايزه تدمريني حياً وميتاً؟ ليه بتحطيني بين نارين، نار موتك ونار خراب بيتي؟”
مجدي مسك يونس وزعق فيه وهو بيعيط: “أنت لسه بتفكر؟ أمك بتضيع يا يونس! أمك بتموت بسببه القهرة! لو أمك جرى لها حاجة، الدنيا كلها هتقول إننا موتناها عشان خاطر حور! طلقها يا يونس.. طلقها وأخلص من الكابوس ده لو بتفكر في أمك!”
أنا كنت واقفة ومصدومة، شايفة الراجل اللي بعشقه وبصونه بقالي سنين بيتحرق قدامي. حماتي استخدمت أوسخ وأشرس سلاح في الدنيا.. سلاح الابتزاز بالمرض والموت! حطت ابنها في الزاوية اللي ملهاش مخرج؛ يا يبيع شرفه ومراته اللي نصروه وأنقذوا أخوه، يا يعيش العمر كله شايل ذنب أم ماتت وهي بتدعي عليه بالرخص والقطيعة.
قربت من يونس، ونزلت على ركبي قدامه في الصالة، مسكت وشه بإيديا الاتنين، ودموعي نازلة في صمت.
بصيت في عينيه وقولت له بنبرة هادية كالصخر، بس مكسورة من قاع قلبي:
“يونس.. أنزل بصلي. أنا بحبك.. وعشقتك، وصنتك في غيابك وحضورك، وسكت على الدهب، وسكت على الفلوس، وتنازلت لأخوك عن حوريتي وحقي علشان عينيك.. بس لحد هنا، وكرامتي خط أحمر.”
يونس بصلي برعب وقال: “حور.. أنتي بتقولي ايه؟”
كملت كلامي بثبات: “أنا مش هسيبك تختار يا يونس، ومش هسمح لربنا إنه يحاسبك على روحي أو روح أمك. أمك مش بتموت من السم، أمك بتموت من الغل اللي أكل قلبها لإنها مقدرتش تكسرني. وأنا مش هعيش معاك وأنت بتصلي وبتنام وبتبصلي وتشوف فيا السبب في موت أمك أو شقاها.. يونس.. ورقتي تجيلي.”





