حكايات اماني السيد 1

“أنت فاكر نفسك إيه؟ أنت حتة موظف شاطر أنا اللي عملتله قيمة وسعر.. وبكلمة مني أرجعك للحارة اللي جيت منها!”

في نفس الليلة، جالي اتصال من أمي من الصعيد، كانت بتبكي وتقول:

“يا هادي.. أبوك تعب تاني ومحتاج عملية سريعة، وفاطمة هي اللي واقفة جنبه في المستشفى من أسابيع، بتدفع مصاريفها من شغل التفصيل بتاعها ومبتخليناش نحتاج حبة تراب من حد.. تعال يا بني وشوف أصلك فين!”

الصفعة كانت قوية، والواقع ضربني في وشي بلا رحمة. اكتشفت إن فاطمة، اللي رمينا الفلوس عند رجليها، هي الوحيدة اللي فضلت تصون أهلي وتصون غيبتي بالرغم من كل الفجر والظلم اللي عملته فيها، بينما نورهان اللي بعت الدنيا عشانها كانت بتجهز لشفط كل ثروتي ورميي في الشارع.

لميت اللي فاضل من فلوسي في الحساب المباشر، وركبت عربيتي وسوقت في نص الليل متجهة للبلد، وقلبي بيعتصر من النبض والندم. وصلت المستشفى الفجر، ومشيت في الممرات الضيقة لحد ما وصلت لأوضة أبويا.

فتحت الباب بالراحة، ولقيت فاطمة قاعدة على كرسي خشب جنب السرير، ماسكة المصحف وتقرأ بصوت واطي ومسكت إيد أبويا النايم. كانت أرفع من الأول، والإرهاق باين تحت عينيها، بس وجهها كان فيه نور وراحة نفسية عمري ما شفتها على وش نورهان في أفخم الفنادق.

أول ما حسيت بيا ورفعت عينها، وقفت.. نظرتها ليا مكنش فيها كره، كان فيها حاجة أصعب بكثير من الكره: كان فيها “عدم وجود”. كأني شخص غريب مالوش أي قيمة أو وجود في حياتها.

خطيت خطوة ناحيتها ونزلت على ركبي قدامها، والدموع اللي حبستها سنين نزلت من عيني بغزارة وقولت بصوت مخنوق:

“سامحيني يا فاطمة.. أنا انعميت وعرفت قيمة التراب اللي كنتي ماشية عليه.. أنا خسرت كل حاجة وجاي أترجاكي تقبليني خدام تحت رجليكي.”

سكتت فاطمة لحظات، وبصتلي من فوق وهي ثابته مكانها، وقالت بنبرة حاسمة كالسيف…

سكتت فاطمة لحظات، وبصتلي من فوق وهي ثابته مكانها، وقالت بنبرة حاسمة كالسيف:

“اللي بيوطي عشان يلم القرش من الأرض، مبيعرفش يقف راجل تاني يا هادي. قوم من على ركبتك.. أنت جاي المتاخر أوي، المكان ده أنا واقفة فيه عشان عمي وعمتي اللي أكرمني وأكلت في بيتهم عيش وملح، مش عشانك. أنت بالنسبة لي بقيت صفحة وانطوت من يوم ما زقيت إيدي وبعتني عشان شوية مظاهر كدابة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *