حكايات اماني السيد 2

بصيت لفاطمة وقولت بصوت واطي:

“شكراً يا فاطمة.. أنقذتي تاريخ أبويا اللي أنا كنت هضيعه بنفسي.”

ردت عليا بصوت هادي وموزون، خالي تماماً من أي ضغينة:

“أنا عملت ده عشان عمي اللي كان ليا أب قبل ما أنت تكون زوج، وعشان الأصول اللي اتربيت عليها. الجميل بيترد بالخير، والندالة مبتغيرش طبع ابن الأصول. أنت خلاص بقيت بره حياتنا يا هادي، بس بتمنى لك تلاقي طريقك وتعرف تبدأ من جديد مع نفسك.”

والدي قرب مني، وحط إيده على كتفي لأول مرة من سنتين، وعينيه مليانة دموع وقسوة متزنة:

“أنت ابننا يا هادي، وهنفضل ندعيلك بالهداية.. بس فاطمة هي اللي صنعت أصل العيلة دي وحمته في وقت أنت بعته فيه. روح كمل طريقك واعف عن نفسك بالعمل الشريف، بس متفكرش ترجع لورا.”

مشيت فاطمة مع أهلي، وسبت الصعيد ورجعت للقاهرة. الشارع القديم اللي فيه العمارة الشعبية كان فيه حركة وغيرة جديدة؛ فاطمة كانت حولت شقتها القديمة لمركز تدريب مجاني لبنات الحي على التفصيل والشغل اليدوي عشان يفتحوا بيوتهم بكرامة.

بقيت أمشي في نفس الشارع من بعيد، أقف تحت الشباك اللي كنت بقلل منه زمان، وأشوف النور طالع منه والصبايا داخلين وخارجين بيدعولها بالخير، وأعرف إن التكفير عن الذنب مش مجرد ندم باللسان، لكنه مشوار طويل من المحاولة لبناء نفس جديدة.

وفي يوم من الأيام، وأنا شغال في مشروعي الصغير الجديد لورشة تصليح ومعدات، دخل عليا راجل كبير في السن، ومعه ملف أوراق وقال:

“أنت المهندس هادي؟ فيه مؤسسة استثمارية كبيرة عايزة تتعاقد مع ورشتك للتوريدات.. بس بشرط واحد، إن كل المعاملات تتسدد بشفافية وبدون أي تلاعب.”

ولما بصيت على عقد المؤسسة، لقيت الإمضاء في النهاية: “مؤسسة فاطمة للتمكين والتنمية”..

مسكت الورق بين إيديا وأنا مش مصدق عينيا. اسم فاطمة مكتوب بخط عريض وشيك في نهاية العقد، وتحته ختم المؤسسة اللي أصبحت واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية والتنموية في المنطقة. الراجل صاحب الملف كان بيبصلي بجدية وينتظر ردي، وأنا صوابعي بتترعش فوق الورق.

“هو.. هي اللي طلبت إن العقد ده يجيلي أنا بالذات؟” سألته بصوت مكتوم.

الراجل هز راسه بالنفي وقال بوضوح: “لا يا باشمهندس. المؤسسة عندها لجنة تقييم بتدور على أصحاب الورش الصغيرين والمكافحين اللي بيقدموا شغل بضمير وأسعار عادلة. اسم ورشتك طلع في البحث والتقييم، والمديرة التنفيذية أستاذة فاطمة بتوقع على العقود بعد ما اللجنة بترفع لها التقرير. هي مابتتدخلش في المحسوبيات ولا بتميز حد.. شغل شغل، وحق ربنا قبل أي شيء.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *