حكايات اماني السيد 2

رجعت ورشتي في الجيزة، وقعدت في الضلمة وسط الآلات والحديد. كانت الشغف والنجاح المالي اللي بدأت أحققه بيتقال عليه “عوض”، بس في قلبي كان طعمه علقم. وعيت إن ربنا أكرمني واستجاب لدعائي في الشغل وتوبتي، بس العقاب العادل للظلم مكنش الفقر المادي، كان “الندم الأبدي”.

مرت الأسابيع، وشغلي كبر أكتر، وبقت ورشتي مصنع صغير بفضل العقود اللي اشتغلت عليها بضمير. وفي يوم، وأنا براجع كشوف الحسابات والتوريدات، جالي شاب صغير شغال في المكتب وقاللي إن فيه ست برة مصرة تقابلني وترفض تمشي قبل ما تشوفني.

خرجت للتقاطعات الخرجية للمصنع، ولقيت واحدة قاعدة على دكة خشب، ظهرها منحني، ولابسة عباية إسود متبهدلة. أول ما وقفت قدامها، رفعت وشها.. وكانت نورهان.

مرض السرطان كان أكل ملامحها، وشعرها اللي كانت بتتباهى بيه زمان وبتصرف عليه ألوفات كان متغطي بشال مبهدل، وعينيها غايرة ومطفية تماماً. لما شافتني، انهمرت دموعها وقالت بصوت مجروح ومخنوق:

“هادي.. أنا جاية أستسمحك.. الأطباء قالولي إن أيامي معدودة، والقضايا أكلت اللي ورايا واللي قدامي، ومفاضلش حيل للقتال.. أنا ظلمتك وظلمت فاطمة، والدنيا دارت عليا لحد ما بقيت بشحت لقمتي ومسكن الألآم.”

نورهان اترمت على رجليا تبكي وتستغيث، ونفس المشهد اللي أنا عملته مع فاطمة زمان كأنه بيتكرر بالحرف، بس المرة دي نورهان هي اللي بتدفع التمن بأبشع طريقة.

مديت إيدي، رفعتها من الأرض، وقعدتها على الكرسي. مكنش في قلبي ليها غير الأسى والشفقة على المصير اللي صنعته لنفسها. وقولتلها بصوت هادي:

“أنا مسامحك يا نورهان من كل قلبي.. ربنا هو اللي بيحاسب، وأنا وإنتي أخدنا دروسنا. أنا هتكفل بعلاجك ومصاريفك لحد ما ربنا يكتبلك الشفا أو يختار وديعته.”

بصتلي باستغراب ودموعها نازلة: “بعد كل اللي عملته فيك؟”

رديت عليها وأنا ببص للسما: “عشان أصلح اللي باقيلكم وليّا عند ربنا.. عشان لما أقابل وجه كريم، أكون عملت أصل، زي ما فاطمة علمتني.”

بدأت أتابع حالة نورهان الصحية بنفسي، ونقلتها لمستشفى محترم على حسابي، وفي نفس الوقت كنت ببعت نص أرباح مصنعي بصفة دورية لدار أيتام ومؤسسات خيرية من غير ما أكتب اسمي، كأني بأحاول أطهر الفلوس اللي كسبتها زمان بالحرام، وأغسل إيدي من الماضي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *