حكايات اماني السيد 2

“مبروك يا هادي.. التقرير عن شغل ورشتك ممتار، واللجنة أثنت على التزامك وضميرك.” قالتها بابتسامة هادية جداً.

بلعت ريقي بالعافية وقولت: “الله يبارك فيكي يا فاطمة.. وأنا بشكرك، مش عشان العقد، بس عشان أثبتيلي إن الدنيا لسه فيها خير، وإن العوض بتاع ربنا مابيتأخرش. أنا اتعلمت الدرس، بس بعد ما دفعت أغلى ثمن في حياتي.”

فاطمة بصت في الشارع بعيد وقالت بنبرة صريحة ودافية:

“الحمد لله إنك اتعلمت يا هادي.. ربنا بيكفر عن الذنوب لما الإنسان بيصدق في توبته ورجوعه. ربنا يوفقك في طريقك ويفتحها عليك.”

وقبل ما أرد، قربت عربية فخمة ونزل منها راجل في أواخر الأربعينات، ملامحه هادية وراجل ابن ناس، وقرب بسكينة وسلم على فاطمة باحترام شديد وقالها: “جاهزة يا فاطمة هانم عشان نتحرك للمطار؟ الاجتماع بتاع دبي بكرة الصبح.”

فاطمة بصتلي وقالت بوضوح وثبات: “أستاذ كريم، شريكي ورئيس مجلس إدارة المجموعة.. وزوجي.”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت الأرض بتهتز تحت رجليا، بس في نفس اللحظة حسيت بشرارة واقعية أخيرًا حطت السطر الأخير لأوهامي القديمة..

سرت برودة مفاجئة في جسمي، والكلمةترددت في وداني زي صدى صوت جاي من بير عميق: “وزوجي”.

وقفت مشلول مكاني، ولساني عاجز عن الكلام. أستاذ كريم سلم عليا بابتسامة راقية ونبيلة، من غير ما يعرف التفاصيل المظلمة اللي بيني وبين مراته، واكتفى بإنه يقول بثقة: “أهلاً بك يا أستاذ هادي، المتابعين فشغلك ومثابرتك بيشكروا فيك جداً، ربنا يوفقك.”

أنا اكتفيت بهزة رأس باهتة، وعيني رايحة جاية بين فاطمة وبين كريم. كريم كان راجل يظهر عليه العز الحقيقي، العز اللي مش قائم على النصب والاستغلال زي ما كنت فاهم مع نورهان، لكن عز قايم على التواضع والتقدير. مسك إيد فاطمة باحترام وشبّك صوابعه في صوابعها، وهي بصتله بابتسامة أمان أنا عمري ما قدرت أمنهولها طول السنين اللي عاشتها معايا في فقر وقلق.

ركبوا العربية واتحركوا بهدوء، وأنا فضلت واقف على رصيف القاعة، هادي تماماً من برة، بس من جوة كنت بأتطحن. كانت دي أول مرة أدرك فيها الحجم الحقيقي لخسارتي؛ أنا ملمستش بس الفقر، أنا خسرت واحدة كانت ممكن تخلي التراب في إيدي دهب، والنهارده هي بقت في مكان أبعد بكثير من إن إيدي تطوله أو حتى عيني تلمحه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *