حكايات اماني السيد 2

الكلمات نزلت عليا كأنها درس جديد في الأصول. فاطمة مابتنتقمش، ولا بتجامل، ولا بتسعى إنها تذلني بفلوسها؛ هي ببساطة بقت عايشة في عالم تاني خالص، عالم كبير ونظيف قايم على العدل والمبادئ، عالم أنا كنت بره حدوده تماماً يوم ما اخترت الطرق الملتوية.
وقعت على العقد وأنا حاسس بمسؤولية ضخمة. كانت دي أول فرصة حقيقية ليا عشان أثبت لنفسي ولربنا إن هادي الجديد اتولد فعلاً من رحم المعاناة والندم. اشتغلت ليلاً ونهاراً في الورشة، كنت بسهر للصبح أظبط المعدات وأراجع كل مسمار وكل قطعة غيار بنفسي، عشان المعاملة تطلع في أبهى صورة.
مرت ست شهور والتعامل بين ورشتي والمؤسسة ماشي عن طريق الموظفين والمناديب، لحد ما جيه يوم الاحتفال السنوي لتكريم الموردين وشركاء النجاح في المؤسسة. جالي كارت دعوة رسمي باسمي لحضور الحفل في قاعة كبيرة بالقاهرة.
ترددت كتير قبل ما أروح، بس حسيت إن الهروب هيفضل يطاردني. لبست بدلة بسيطة جداً، وذهبت للقاعة. المكان كان مليان بشركاء نجاح وشخصيات عامة وإعلاميين، ووسط كل ده كانت فاطمة واقفة بتتكلم مع الناس بهيبة ووقار، بسيطة في مظهرها بس حضورها يفرض احترام أي حد.
وفي نص الحفلة، وأنا واقف بعيد في أخر القاعة، طلبت فاطمة الكلمة وصعدت على المسرح. اتكلمت عن رحلتها، عن الصبر والرضا، وكيف إن الشدايد هي اللي بتصنع المعادن الحقيقية. وقالت جملة هزت القاعة كلها:
“النجاح مش إنك تجمع ثروة بسرعة من غير أصل.. النجاح الحقيقي هو إنك تقع للظلم والكسرة، وتقوم بأمر الله وأنت ماسك في كرامتك وبتبني أملك بإيديك، من غير ما تسمح لغدر حد إنه يغير طبعك الطيب.”
التصق التسقيف في القاعة، وعيني جاءت في عينها لفترة ثانية واحدة من فوق المسرح.. مكنتش نظرة سخرية ولا شماتة، كانت نظرة إنسانة اتصلحت مع الماضي وتجاوزته تماماً، وبقت بتشوف المستقبل وبس.
بعد انتهاء الكلمات وتوزيع الجوائز، انسحبت بالراحة عشان أخرج من القاعة من غير ما أسبب أي إحراج، بس وأنا واقف مستني عربية عند الباب الخارجي، سمعت صوت دقات جزمة هادية ورايا.. لفت ولقيتها فاطمة واقفة، ولأول مرة من سنين نبقى واقفين وش لوش من غير عياط ولا صريخ ولا محاكم.




