حكايات اماني السيد 2

في اليوم الأخير من العزاء، وبعد ما الناس مشيت، قعدت أنا وأمي وفاطمة في صالة البيت القديم. نورهان كانت توفت في المستشفى قبل أيام بعد ما اتلقت الرعاية الطبية الكاملة وماتت وهي مستريحة ومسامحة، وأنا بقيت إنسان جديد كلياً، راجل تنقل بين النارين واختار في النهاية طريق النور.

فاطمة قامت وقفت، ولبست الشال بتاعها عشان تتحرك مع زوجها كريم اللي كان مستنيها بعربايته في أول الشارع احتراماً لخصوصية العزاء. بصتلي فاطمة نظرة ألمست فيها لأول مرة من سنين أحاسيس من غير مرارة ولا وجع، نظرة تقدير حقيقي للراجل اللي أصبحت عليه.

قربت مني وقالت بصوت هادي وواثق: “هادي.. النهاردة أقدر أقولك إن الصفحة اتقفلت تماماً. أنت سددت كل ديونك مع الدنيا ومع ربنا، وصنت أهلك في أخر أوقاتهم. أنا مسامحاك على كل اللي فات، وبتمنالك من كل قلبي تبدأ حياة جديدة تستاهلها.”

ابتسمت ابتسامة رضا نابعة من أعماق قلبي ورديت: “دعواتك يا فاطمة.. أنا أخدت العوض الحقيقي لما عرفت القيمة الفعلية للإنسان، وأنتِ أثبتِ إن الأصالة مبتتباعش ومبتشترهاش كل فلوس العالم.”

سابت فاطمة البيت ومشيت بخطوات ثابته ومرفوعة الرأس، وأنا وقفت عند الباب بتابع خروجها لحد ما اختفت في نور الشارع..

مسكت إيد أمي وقعدت جنبها، حسيت لأول مرة بإن صدري مفتوح ولون الحياة رجعلي طبيعي. عرفت إن الزمن ما بيمحيش الأخطاء، بس التوبة الصادقة والعمل الشريف بيعيدوا صياغة بني آدم من جديد. خسرت فاطمة كزوجة، بس كسبت نفسي، وعرفت إن المستقبل ما بيبدأش بالمال والسلطة، لكن بيبدأ بضمير حي، وكلمة شرف، وأصل ما ينكسرش أبداً.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *