سلفتي سكر حكايات روماني مكرم 1

كلام نرمين كان كالبنزين المسكوب على النار. سعاد رفعت رأسها ببطء، والذهول بدأ يتحول في عينيها إلى جرح عميق وألم لا يوصف. سعاد التي كانت تشتري القلوب بطيبتها، وتدفع من جيبها في أفراحهم قبل أفراحها، تُتهم اليوم في أمانتها وشرفها! خطت سعاد خطوة للأمام، وكانت يدها ترتجف خفية، لكنها قالت بصوت ثابت يحمل وجعًا يفتت الصخر: “أنا يا شريف؟ أنا اللي أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي؟ أنا اللي البيت ده ياما شاف مني الفرحة والخير تتهموني في أمانتي؟ دا أنا لو شفت القشرة في الأرض بأشيلها وأحطها في عينيا لحد ما أصحابها يأخدوها!”
تدخلتُ أنا في التو واللحظة، ولم أستطع السكوت، فدمي كان يغلي من الظلم الفج. وقفت بين سعاد وبين شريف وزوجته وقلت بصوت عالٍ هز القاعة: “اتقي الله يا نرمين! اتقي الله في التهمة اللي ترميها دي! سعاد دي أطهر من الذهب اللي بتتكلمي عنه، وإحنا يدنا ما تمدتش على حاجة حد. التلاجة دي إحنا رصيناها ونضفناها بحب، وأنتِ دخلتي وخرجتي ميت مرة! بتتبلي على ستاير البيت اللي ساتراكي ليه؟”
لكن شريف، الذي كان قد تعبأ قلبه بالغل والشك طوال الأسابيع الماضية بتلقين مستمر من نرمين، لم يستمع لصوت العقل. دفع الموقف للهاوية وقال بقسوة: “الكلام ده ما يمشيش معايا! المطبخ يتفتش دلوقتي، ولو ملقتش الدهب، حسابكم معايا هيكون كبير، ولو لقيته.. مش هبقى أخو حد فيكم!”
نزل الكلام على زوج سعاد—سلفي الكبير—كالصفعة على الوجه. دخل الصالة وجهه يربدّ بالغضب من تطاول أخيه الصغير، وقرب من شريف وقبض على تليبابه: “أنت اتجننت يا شريف؟ بتفتش في أمانة مراتي وشرف بيتي عشان حتة ذهب؟ اقفل بقك بدل ما أعمل معاك تصرف ما يعجبكش!”
تعالت الأصوات، واختلط حابل العيلة بنابلها. الرجالة تصرخ، والحما يحاول السيطرة، ونرمين تبكي بتمثيل متقن. وفي وسط هذا العاصوف، رفعت سعاد يدها وفجأة سكت الجميع. كانت عيناها تطافان بوجوهنا جميعاً، ثم قالت بنبرة هادئة كهدوء السكون الذي يسبق الإعصار: “سيبهم يفتشوا يا أبو العيال. خليه يفتش المطبخ حتة حتة. اللي بطنه نظيفة ما يخافش من التفتيش، بس أعرف يا شريف.. لو فتشتم وما لقيتوش حاجة، أو لو طلعت الحركة دي ملعوبة، البيت ده مش هيجمعني بيك ولا بمراتك تحت سقف واحد تاني أبداً.”



