حكايات مني السيد 2

السكوت ساد على الخط لخمس ثواني كاملين. كنت حاسس بضربات قلبها الهربانة من الفرحة عبر الأثير. سمعت نفس طالع منها بسرعة قبل ما تتكلم بصوت بيترعش من الفرحة المزيفة:

— «ربنا يخليك ليا يا علي! أنت أخويا وسندي في الدنيا.. من غيرك إحنا ولا حاجة! خلاص يا حبيبي، الساعة ١٢ الضهر بالظبط هكون عندك في مكتب دمياط.. تحب أجيب معايا أي أوراق أو ختم الشركة القديم؟»

— «أيوه.. هاتي معاكي ختم الشركة والتوكيل العام اللي مع أختك، عشان نعمل كل حاجة مظبوطة عند المحامي بالمرة.»

— «من عينيا يا علي، من عينيا يا حبيبي.. توصل بالسلامة!»

قفلت الخط. حطيت رأسي على الدكسيون وصرخت بعلو صوتي.. صرخة مكتومة خنقتها جوة العربية. الحية أكلت الطُعم بسرعة أسهل مما كنت متوقع. الطمع كان عامي عينيها لدرجة إنها ما فكرتش دقيقة واحدة ليه القرار ده جه فجأة.

طول الطريق لدمياط، والليل بيمر عليا زي سنة كاملة. عينيا ما غمضتش لحظة. كل ما أغمض، أشوف أبويا وهو ماسك في جكيتي وبيترعش في الأوضة الصاج، وأشوف ندى وهي بتفرز الزبالة تحت المطرة. الفجر أذن وأنا داخل مدخل دمياط. المحلات لسه قافلة، والهدوء مالي الشوارع، بس جوة عقلي كان فيه حرب مولعة.

وصلت المعرض الرئيسي الساعة تسعة الصبح. المعرض كان عبارة عن قصر من أربع أدوار، مليان أفخم أنواع الموبيليا والأثاث اللي بيتصدر لبرة. تحفة معمارية أنا وأبويا بنيناها عرق بعرق، حجر بحجر. دخلت المكتب الخاص بيا في الدور الثاني، فتحت الخزنة، وطلعت الملفات القديمة.. الملفات اللي مريم اتهمت فيها ندى بالسرقة من تلات سنين.

قعدت أراجع الفواتير والتوقيعات بعين جديدة.. عين الراجل اللي انزاحت من على وشها الغشاوة. فعلاً! التوقيعات كانت تقليد رديء لتوقيع ندى، والختم المستخدم كان هو ختم الإدارة المالية اللي كان دايماً في عهدة مريم! إزاي كنت أعمى كدة؟ إزاي الغرور خلاني أصدق إن مراتي بتخونني وأختي هي الملاك الطاهر؟

الساعة تشاور على ١١:٣٠ الصبح. باب المكتب اتفتح بالراحة.

دخلت ندى!

كانت لابسة عباية سوداء قديمة بس نضيفة، وطرحة مشدودة بوقار. وشها كان شاحب، بس عينيها كانت مليانة ثبات يرعب أي حد يبص فيها. دخلت ومن غير ما تتكلم كلمة واحدة، قفلت الباب وراها بالترباس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *