زق مراته العمياء من فوق الكبري

”المية يا سارة مش عدوك… المية بتشيل اللي بيسلملها جسمه وما بيفقدش عقله.”
فقدان البصر حرم سارة من رؤية النور، لكنه لم يمحُ ذاكرة جسدها، ولم يسلب منها ثباتها الانفعالي عند المخاطر!
عندما دفعها أحمد بدم بارد من ظهرها، صرخت سارة مفزوعة في الهواء، لكن بمجرد أن اخت اخترق جسدها سطح الماء، حوّلت غريزة البقاء خوفها إلى طاقة هائلة. حبست أنفاسها فورًا، أغلقت مجرى الهواء، وسمحت لجسدها بالنزول لعمق آمن حتى تفادت صدمة التيار السطحي، ثم بدأت تتحرك بقدميها وذراعيها بضربات موزونة وهادئة.
كانت الضلمة تحت الماء هي نفس الضلمة التي تعودت عليها في حياتها اليومية، فلم تصب بالذعر الذي يصيب المبصرين عند الغرق!
سبحت سارة بذكاء تحت الماء لمسافة مسافة جيدة بعيداً عن اتجاه الكوبري، متجهة نحو أحد الأعمدة الخرسانية الضخمة للمجاري المائية حيث تقل سرعة التيار. طفت برفق عند قاعدة العمود، مسكت بالبروز الخرسانية، ورفعت رأسها فوق السطح ببطء لتستنشق الهواء دون أن تصدر أي صوت.
وفوقها مباشرة… كانت تسمع صوت أحمد وهو يصرخ في هاتفه بصوت مرتجف وممثل محترف:
”ألحقوني! مراتي وقعت في النيل! هي عميا وما بتشوفش… اتزحلقت مني وأنا بحاول أسندها! جرفها التيار يا ناس!”
في هذه اللحظة بالذات، انهمرت دموعة حارة من عيني سارة واختلطت بماء النيل. لم تكن دموع خوف أو انكسار، بل كانت دموع نهاية أي أمل أو رحمة تجاه رجل أمنته على عمرها وحياتها، فكان يستعد لبيعها وثمنها ج/ثتها!
المشهد الثاني: الصياد والسر الثاني
بينما كان أحمد يصرخ على الكوبري ويتجمع حوله بعض المارين، كانت هناك مراكب صيد صغيرة تقف بالقرب من الضفة الشرقية للنيل.
”عم إبراهيم”، صياد عجوز قضى عمره في النيل، كان يقف على مركبه يربط الشباك عندما سمع صوت السقوط ثم صراخ أحمد. لكن عين عم إبراهيم المتمرسة لاحظت حركة غريبة وغير عادية عند عمود الكوبري… رأى رأسًا يطفو بثبات وتمسك أصحابها بقطع الخرسانة.
تحرك عم إبراهيم بمركبه المجدافي بهدوء وصمت نحو العمود، وقرب منها وقائلًا بصوت خفيض:
”اسكني يا بنتي… هاتي إيدك وما تخافيش.”
سارة مدّت يدها، وبمساعدة ذراع الصياد القوية، استطاعت الصعود إلى قاع المركب. كانت تترعش من البرد والماء، لكن عقلها كان يعمل بكامل طاقته.




